تنمية الذات … بداية طريق النجاح

تنمية الذات ... بداية طريق النجاح

دكتور/ عبدالرحيم محمد

خبير التنمية البشرية

drabdo68@yahoo.com

تعتبر  التنمية البشرية   الإنسان هو محور التنمية، وان الموارد المادية وحدها غير قادرة على تحقيق التقدم والنمو ، ولكن الإنسان هو المحرك الحقيقي  الذي يمتلك القدرة على توظيف  هذه الموارد  والإمكانات التوظيف الصحيح ، بما يعود  مرة آخري على الإنسان، فالتنمية البشرية هي من الإنسان وبالإنسان وللإنسان.  والناس هم عماد أى مجتمع. وقياس تقدم المجتمعات أو تأخرها يقاس بنوعية الناس الذين يشكلون تلك المجتمعات.

وكلنا جميعا يعرف كلمة التنمية، سواء من دراستنا لها أو من متابعتها عبر الوسائل الإعلامية، ولكن الأمر يختلف عندما ترتبط التنمية بالذات، ويطلق عليها التنمية الذاتية أو تنمية الذات، وهذا يدعو للتساؤل عند البعض ماذا نعنى بهذا المفهوم؟ وما هي أبعادة؟ هذه هي بداية الموضوع.

نحن نتعلم في المدرسة الحساب و اللغات و العلوم.. إلا أننا لا نتعلم كيف نستفيد من كل هذا حين نتخرج   في المدرسة و الجامعة، فنحن  لا نتعلم مهارات إدارة الوقت أو التفاوض أو كسب الأصدقاء  و نتركها للظروف، و على الرغم من كونها من أهم مهارات الحياة العملية . ومن هنا تأتي المشكلات ونجلس نلعن الفقر والظروف والبطالة  وتدنى مستويات المعيشة  وغيرها، وهذه تعتبر  من  صفات الفاشلين ، في حين لو نظرنا للناجحين  نجد  أن الصفة  السائدة عندهم هي المسئولية الشخصية.. علي سبيل المثال بيل جيتس (صاحب شركة ميكروسوفت)رسب في الجامعة.. والت ديزني (مؤسس ديزني لاند) أفلس عدة مرات و سوشيرو هوندا (مؤسس مصنع هوندا) أصابته أعطى  المصائب . وإديسون أحترق معمله، وكثير من المعاقين عبروا المانش إلا  أن كل هؤلاء لم يلعنوا الظروف رغم قسوتها بل فكروا في طريقة تخطيها .

وتنمية الذات  من المفاهيم التي زاد الاهتمام بها   في السنوات الأخيرة  و بدأ يلقي هذا المفهوم المزيد من التناول والاهتمام،وذلك في إطار الاهتمام الكبير بالتنمية البشرية، وزيادة الاهتمام برأس المال البشرى والاستثمار فيه، ويعتبر مفهوم تنمية الذات من المفاهيم الضرورية والمهمة في تحقيق النجاح، فالنجاح مرتبط بطموح ا لإنسان الإيجابي، وحتى ينجح الإنسان لابد من توافر مقومات معينة تحقق له النجاح ياتى في مقدمتها إمكاناته وقدراته وهى المرتبطة بتنمية ذاته، من هنا تعتبر تنمية الذات مطلبا رئيسيا في تحقيق النجاح.

فالتنمية الذاتية تركز على اكتشاف قدرات ومهارات  الإنسان، ثم تعظيم هذه القدرات والمهارات، من خلال التعليم والتدريب واستخدام التقنيات الحديثة في الرقى بمستوى الإنسان ، بما يحقق  أهدافه سواء على المستوى الشخصي أو المستوى العملي.

فلو أن منظمة من المنظمات قامت بشراء احدث الأجهزة والتقنيات الحديثة ، ووفرت جميع التجهيزات اللازمة لها، هل يمكن لهذه المنظمة أن تنجح؟ هل يمكن لهذه المنظمة أن تنافس الآخرين ، هل يمكن لهذه المنظمة أن تحقق أهدافها؟، من الوهلة الأولي وبدون نظرة فاحصة قد تكون الإجابة نعم،  وذلك لأن هذه المنظمة لديها احدث التقنيات والتطور التكنولوجي، ولكن الحقيقة غير ذلك ، لأنها أغفلت   عنصرا من أهم العناصر  وهو المحرك الرئيسي لكل هذه التجهيزات وهو العنصر البشري ، لأنه الطاقة المحركة، من  هنا تظهر أهمية العنصر البشري والتنمية البشرية في تحقيق نجاح المنظمات.

والسؤال الآن ، ما هو الفرق بين من يملكون ومن لا يملكون ؟ ، ما الفرق بين من يستطيعون ومن لا يستطيعون ؟، لماذا يتغلّب كثيرون على المحن الهائلة ويحولون حياتهم إلى انتصارات رغم ظروفهم وأحوالهم ، وآخرون على الرغم من كل ما يملكون من مزايا هم ضحايا ظروف بسيطة وعادية .  الإجابة بسيطة للغاية وهى أن الناجحون هم الذين يعرفون ذاتهم   وينمونها بصورة مستمرة.

إن النجاح قبل أن يكون انتصار على النفس هو قناعة موجودة داخل الإنسان وإصرار على تحقيق الأهداف، فعندما دخل والت ديزني على زوجته وفى يده   ورقة مرسوم فيها صورة فأر، وقال لها سوف نكسب من هذه الصورة الملايين من الدولارات، فكان ردها أرجو أن لا يكون سمعك احد غيري. ولكن بمرور الوقت تحقق ما كان يسعى إليه ديزني فقد حقق الملايين بل المليارات،  من تلك الصورة التي نعرفها جميعا الآن صورة ( ميكى ماوس)، السؤال الآن كيف حقق هذا ، بالتأكيد أن هذا الرجل كان له رؤية وهدف محدد، وبالإصرار والإيمان بالنجاح وبطموحه الإيجابي استطاع أن يصل إلى ما يريد.

ولكي نحقق النجاح يجب أن نبدأ الخطوة الأولى ، فالنجاح لا يتحقق في قفزة واحدة ولكن النجاح له نقطة بداية، المهم أن تبدأ، في ضوء إدراكك لإمكانياتك،  فليس عيبا أن  تبدأ حمالا فى السوق، ولكن من اللحظة الأولى قرر أن تكون من كبار التجار ، وإلا ستظل على هذا الحال  طوال حياتك.

والسؤال هنا كيف تنمى ذاتك؟، بداية لابد أن تدرس  الواقع الذي تعيش فيه  وتشخص الوضع الراهن ، ويجب أن تعلم بعد ذلك أن المشكلة ليست في العالم من حولك بل هي فيك أنت ، فغالبا ما نميل إلى لوم الآخرين ، لأن هذا هو الأكثر راحة للنفس ولكن الحل هو أن تغير من نفسك بدلاً من محاولة تغيير العالم وتذكر أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.   فتش بداخلك وحدد نقاط قوتك ونقاط ضعفك، وحاول تنمية نقاط القوة وتقليل ومعالجة نقاط الضعف. ابدأ بتقدير ذاتك واحترامها وتقدير الذات هو قدرتك على تحديد القيم التي تتمتع بها واحترام ذاتك هو تنظيم  وتوظيف   هذه القيمة. تذكر دائما إذا لم تعمل ما تحب فلتحب ما تعمل .  أيضا لابد أن تطبق قاعدة  أو مبدأ  باريتو وهى قاعدة 20/80 ، وتعود فكرتها إلى   الاقتصادي الايطالي باريتو في عام 1906 عندما لاحظ أن    20% من الأفراد يستحوذون على 80% من الثروات في بلاده ، وجاء جوران  وطبق هذه الفكرة   في مجال إدارة الجودة في العقدين الثالث والرابع من القرن الماضي،  ويقصد بهذا المبدأ أو القاعدة أن  القليل هو الأهم والأغلب قليل الأهمية ،  و  ينص هذا  المبدأ على أن 20% من الأسباب تؤدي إلى 80% من النتائج وبالتالي فإن الـ 80% المتبقية تؤدي إلى 20% من النتائج.  ويشبه  البعض  هذا المبدأ بالمكرونه الإسباكتى   وكرات اللحم ... إذا علمت أنه يمكنك فقط أكل كمية محدودة من الطعام فلكي تحصل على الاستفادة القصوى لابد لك من التركيز على كرات اللحم ، ويمكن تشبيهها بما نقوم به في حياتنا اليومية ، فلدينا العديد من البدل أو الثياب ، أو الفساتين موجودة بخزانه الملابس ولكن لو نظرنا لما نستخدمه منها ويؤدى الغرض نجده عدد قليل. و20/ 80 هي نسبة افتراضية فقد تكون 30/70 أو 10/90.

وهنا تساؤل لماذا لا يحقق كثير من الناس أهدافهم ؟ لأنهم لا يغيرون ذاتهم ولا يدركونها وبالتالي لا يهتمون بتنميتها ومن هنا يصعب عليهم تحديد الأهداف، وكيفية تطبيقها وقياسها، وبالتالي  الذي لا يخطط لحياته سيخطط له الآخرون وسيدفع الثمن.

والجهود التي تقوم بها الدول ويقوم بها الأفراد  في مجال التنمية البشرية  وتنمية الذات  هي كالطب الوقائي  ، مثل التطعيمات و التحصينات للأطفال حديثي الولادة، فنجدهم في هذا الوقت غير مصابين بأي أمراض ، ولكن العائد في المستقبل وهو حمايتهم من الأمراض، هكذا الحال في تنمية الذات   لا تكون نتائجها لحظية،  ومع ذلك نجد لها نتائج في المدى القصير  ، ولكن  الأثر الكبير هو الذي نلاحظه على المدى الطويل.

وأخيرا تعمل تنمية الذات  علي  تطوير الإنسان نحو الأفضل ، قد نختلف أو نتفق على أهمية التنمية الذاتية و علومها .  إلا أن أحدا منا لا يمكن أن ينكر تأثيرها الإيجابي في حياتنا. كما يجب أن ننمي الثقافة العامة من خلال التعليم والجامعات  ، فالتعليم هو الخطو الأولي في تنمية الذات.

Author: د. عبدالرحيم محمد عبدالرحيم

إستشاري التخطيط الإستراتيجي وقياس الأداء المؤسسي والتدريب - أستاذ الإدارة العامة المشارك - كلية المجتمع

Share This Post On