إيشكاوا و باريتو … وفلسفة تحليل وحل المشكلات

                                 إيشكاوا و باريتو … وفلسفة تحليل وحل  المشكلات

 

دكتور

عبدالرحيم محمد

 إستشاري التخطيط الإستراتيجي وقياس الأداء المؤسسي

drabdo68@yahoo.com

 

نبدأ بهذه القصة ، كان هناك رجل أعمى يجلس على جانب الطريق ، وقد وضع بجانبه لوحة مكتوب عليها أنا أعمي أرجوكم ساعدوني، وتصادف مرور شخص يعمل في مجال تصميم الإعلانات ، فوقع نظره على هذا الرجل وقرأ ما هو مكتوب على اللوحة، ولا حظ أن الناس لا تضع أي نقود في الصندوق الصغير الموجود بجوار الرجل  الأعمى، من هنا فكر  وبسرعة وغير ما هو مكتوب على اللوحة الموجودة بجانب الرجل الأعمى، ولا حظ الأعمى أن هناك زيادة في  النقود في الصندوق الموجود بجانبه ، و أن الناس يضعون النقود في الصندوق، وكان قبل قليل شعر بحركة بجانبه بجوار اللوحة، فنادي أحد المارة وقال له،  كانت هنا لوحة بجانبي، هل هي موجودة، قال له نعم ، ومكتوب عليها   ”  “نحن في فصل الربيع ولكنني لا أستطيع أن أستمتع بجماله”،  فقد  استبدل مصصم الإعلانات  الكلام القديم بكلام جديد وبالتالي كانت النتيجة إيجابية، والحكمة هنا ، “غير وسائلك عندما تكون الحياة على غير ما يرام” .

كلنا تواجهنا المشكلات ، ولا يوجد أحد بمنأى عن المشكلات ، ولكن الفرق بين الناس أن هناك من يستطيع أن يحل المشكلات والبعض الآخر تسبب له المشكلات مشكلات آخري ويحتاج آخرين لمساعدته للخروج من مشكلاته. لماذا ينجح البعض في حل المشكلات؟ ولماذا يفشل البعض الآخر؟ لماذا  تتعقد المشكلات  أما فئة معينة ، وتكون سهلة أمام فئة آخري؟، الإجابة بسيطة للغاية وهى نظرة  الشخص للمشكلة وطريقة تفكيره فيها.

    عندما نواجه بمشكلة نجد أنفسنا نفكر فيها كثيرا، وغالبا لا نصل إلى حل، لماذا ؟ لأننا من كثرة التفكير في المشكلة  نعيش داخل المشكلة ونصبح جزءا منها، وبالتالي لكي نحل هذه المشكلة لابد أن نفكر في المشكلة بعقلية  مختلفة غير العقلية التي  أحدثت المشكلة. وبعبارة آخري لابد من النظر إلى المشكلة من بعيد حتى نراها واضحة ثم نقترب منها تدريجيا لمعرفة تفاصيلها لوضح الحلول المقترحة لها.

تعرف المشكلة بأنها وضع غير مرغوب فيه يؤدي إلى حالة عدم توازن لسبب عدم وضوح الهدف أو وجود بعض العوامل أو المؤثرات السلبية التي تؤدي إلى وجود مفارقة بين الواقع والمتوقع   أو انحراف عن الهدف المحدد .

وبالتالي فإن  المشكلة حالة تنشأ عندما يحدث اختلاف بين ما يحدث  فعلاً و بين ما يتوقع الفرد أو الجماعة أو المنظمة  أن يحدث.

وهنا أشكال مختلفة للمشكلات ، ولتوضيحها تخيل أننا نبحر عبر سفينة ، فعندما تكون وسط المياه وترى جزيرة أو جزء يابس ، هنا هذه المشكلات البارزة، ويعتبر هذا من النوع الأقل خطورة لأنها واضحة للعيان، ولكن أثناء السير بالسفينة تواجه بجبل جليدي ، هذا يعبر عن مشكلة خطرة لماذا؟ لأن الجبل الجليدي يظهر منه جزء صغير فقط ولكن الباقي تحت سطح الماء فإذا لم تدرك هذا فسوف تصطدم  به، هذا النوع من المشكلات يسمى المشكلات الظاهرة،  ومع استمرار السير في البحر قد يكون الطريق أما السفينة واضحا وخاليا من أي عوائق ولكن فجأة يحدث الارتطام ، لماذا؟ لأن هناك صخور وشعاب مرجانية في طريق السفينة ليست ظاهرة، وهذه أخطر المشكلات  لأنها كامنة ، وبالتالي عدم الانتباه لها يؤدى إلى عواقب وخيمة.

وبالتالي   يجب صياغة المشكلة بدقة ، لأن ذلك يؤثر في اختيار  الحلول  المطروحة ولأن انعدام الدقة في صياغة المشكلة  يؤدي إلى  استمرار المشكلة بعد تنفيذ الحل.

ومن هنا يتضح لنا أن هناك فرق كبير بين التركيز في المشكلة والتركيز على حل المشكلة، ولتوضيح هذا الفرق نطرح هذه القصة .  في إحدى  مصانع   الصابون  الضخمة في اليابان  واجهتهم مشكلة كبيرة وهي مشكلة الصناديق الفارغة التي لم تعبأ بالصابون نظراً للخطأ في التعليب ، فماذا يفعلوا لكشف الصناديق الفارغة من الصناديق المعبأة  ؟

قام المسئولون عن المصنع   بصناعة جهاز يعمل بالأشعة السينية . مخصص للكشف عن الصابون بداخل الصناديق  ووضعوه أمام خط خروج الصناديق بقسم التسليم وتعيين عمال جدد ليقوموا بإبعاد الصناديق الفارغة التي يحددها الجهاز ، أما الحل البديل لنفس المشكلة  في مصنع آخر أصغر من السابق عندما واجهتهم نفس المشكلة، فإنهم أتوا بمروحة إليكترونية ، وضبطوا قوتها بما يناسب وزن الصندوق الفارغ ، وتم توجيهها إلى خط خروج الصناديق بقسم التسليم ، بحيث أن الصندوق الفارغ سوف يسقط من تلقاء نفسه، بفعل اندفاع الهواء.

القضية هنا أن الحل دائما أمامنا ولكننا من كثرة التركيز في المشكلة ، وتضخيمها ، تصبح الحلول القريبة بعيدة جدا بل أحيانا لا نراها، ولكن لو فكرنا لحظة واحدة بموضوعية فسنجد الحل داخل المشكلة نفسها. وهنا بعض الأساليب التي يمكن أن تساعد في حل المشكلات نذكر بعض منها.

أولا: نموذج إيشيكاوا ( نموذج عظمة السمكة):

منذ بداية الخمسينيات من هذا القرن قام العالم الياباني ” كارو إيشيكاوا ” بتطوير أسلوب تحليل علاقة السبب بالنتيجة،  ولذلك يطلق البعض على هذا النموذج  اسم  نموذج  إيشيكاوا أو اسم عظمة السمكة، هذا النموذج يساعد على  تسهيل التعرف على المشكلات  التي تتميز بالتعقد  وتحليلها إلى مشكلات صغيرة  لسهولة إيجاد حلول لها ، وتفسير المشكلة على نموذج يشبه عظمة السمكة ومن هنا جاء مسماه الذي أطلقة عليه البعض عظمة السمكة.Fishbone Diagram

مميزات هذا النموذج:

حدد   إيشيكاوا بعض الفوائد التي يمكن أن تتحقق من تطبيق هذا النموذج يمكن تحديدها فيما يلي:

  1. يساعد الفريق الذي يقوم بحل المشكلة على تناول المشكلة بتركيز وبالتالي استبعاد العناصر غير الجوهرية وتوفير الوقت في دراسة المشكلة.
  2. يساعد النموذج الفريق  في جمع معلومات تفصيلية عن المشكلة وأطرافها.
  3. هذا النموذج يمكن استخدامه في تحليل جميع أنواع المشكلات.

خطوات تصميم النموذج: 

يعتبر هذا الأسلوب من الأساليب السهلة التي تستخدم في تحليل المشكلة وتحديد أبعادها ويساعد في تجزئة المشكلة وتوضيح أبعادها الرئيسية ثم أبعادها الفرعية الدقيقة. وهناك   خطوات معينة يجب  إتباعها لتصميم هذا الأسلوب يمكن إيجازها فيما يلي:

1- تحديد المشكلة  موضوع الدراسة:

يقول تشارلز ليزنج : (إن المشكلة حين ندون تفاصيلها نكون قد حصلنا على نصف حلها). وهنا يجب أن يكون هناك اتفاق بين أعضاء الفريق  الذي يسعى إلى حل المشكلة ، على أن المشكلة محددة وواضحة،  لأن  حل المشكلة يحتاج إلى فريق عمل حتى  تكون هناك أفكار متنوعة وبدائل مطروحة تتناول المشكلة من عدة زوايا، وذلك من خلال استخدام أسلوب العصف الذهني  الذي سبق أن ذكرناه في عدد سابق.

2-  البدء في تحليل المشكلة:

وفى هذه الخطوة يتم الآتي:

                   1- ارسم مثلث على يمين أو يسار الصفحة  ويكتب بداخلة المشكلة  التي تم تحديدها من خلال فريق العمل .

                   2- ثم ارسم خط  أفقي من قاعدة هذا المثلث يمثل العمود الفقري للمشكلة ( جسم السمكة) كما يتضح من الشكل التالي:

المشكلة

 

3-  تحديد الأسباب الرئيسية    للمشكلة:

في هذه الخطوة يتم تحديد الأسباب الرئيسية   للمشكلة  والتي يرى الفريق أنها من الممكن أن تكون سببا رئيسيا في حدوث المشكلة ،من خلال رسم  خطوط مائلة في شكل زاوية حادة وبالتالي يظهر الشكل  كأنه جسم  السمكة ، كما في الشكل:

المشكلة

 

4-   دراسة  الأسباب   الفرعية للمشكلة :

المشكلة

                               من تحديد الأسباب الرئيسية للمشكلة  وهنا يتم التساؤل ما الذي أدى على حدوث هذا السبب ثم تسجيل الإجابة كتفرعات أو أسباب فرعية.

 

5-  تحليل الأسباب:

في هذه المرحلة يتم حذف العناصر  غير المؤثرة أو الأسباب التي يرى الفريق أنها ليست متعلقة بشكل مباشر بالمشكلة أو ليست سببا في حدوثها،  ثم صياغة الحلول والبدائل لحل المشكلة.

 

ثانيا: تحليل باريتو:

يعتبر من الأساليب المبسطة في تحليل المشكلات ، والفكرة الرئيسية في هذا التحليل  أن 80% من  الإنجاز تتحقق فقط من خلال 20% من المجهود. وترجع فكرة هذه القاعدة أو هذا التحليل إلى  رجل الاقتصاد الإيطالي فيل فريدو باريتو (1848-1923) عام 1897م  عندما لاحظ أن 80% من الثروة في مجتمعة يملكها 20 % من السكان. ويطلق على قاعدة 20/80 قانون القلة القوية والكثرة الضعيفة وهي تنص على أن 20% من الأسباب التي نأخذ بها تحقق 80% من النتائج التي نحصل عليها بينما لا تحقق الـ 80% الأخرى من الأسباب إلا 20% فقط من النتائج . و الرقمان 20% و 80% هما رقمان افتراضيان والنسبة 20/80 لا تعني بالضرورة أن تحقيق 80% بالضبط من الأهداف يستدعي بالضبط فقط 20% من الوسائل بل إن المقصود هو أنه في الواقع تقترب النسبة الحقيقية من 20/80 أو قد تكون 30/70 أو 40/60 .

أهمية التحليل:

تنطلق أهمية هذا التحليل  في أنه دعوة إلى تقليل  الهدر في جهودنا  ومواردنا عن طريق تطبيقها وتوظيفها التوظيف الصحيح  بحيث يمكن فعلاً استغلال أقل جهد ممكن للوصول لأكبر نتيجة مرجوة. ولكي يتم التركيز والاهتمام بأكثر الوسائل فاعلية في تحقيق الأهداف وأفضل النتائج.

 

نماذج من  تحليل  باريتو:

 يعرض جون س . ماكسويل في كتابة  نظرات في مسألة الزعامة، بعضا من النماذج التي تبين وتوضح هذه القاعدة في مجالات مختلفة منها:

  • الوقت : 20 % من الوقت تعود بـ 80 % من النتائج .
  • الاستشارة : 20 % من الناس يأخذون 80 % من وقتنا .
  •  المنتجات : 20% من المنتجات  تحقق 80% من الربح
  • القراءة : 20 % من خطاب : 20 % من الكلام تحدث 80 % من التأثير .
  • ·        الزعامة : 20 % من الناس يتخذون 80 % من القرارات .

ويجب على كل مدير أن ينظر بدقة وطبقا لهذه القاعدة  إلى موظفيه ، فقد يجد أن 20% من موظفيه  وراء 80% من نجاح إدارته أو منظمته.

 

كيف تطبق هذا التحليل  في منظمتك:

يعتبر هذا التحليل مهم جدا ومفيدة للجميع  سواء كانوا موظفين عاديين أو قادة  كما أنها مفيدة على المستوى الشخصي لأي فرد و حتي  يمكن تطبيقها،   نفترض أن أحد المديرين تشجع بعد قراءة هذه المقالة  وقرر تطبيقها ، أقترح عليه أن يقوم بالآتي:

 

  • أن يحدد أهم  20 %   من الموظفين لديه .
  • أن يقوم بتوفير وقته المخصص  للموظفين الآخرين إلي  الـ 20%.
  • أن يصرف 80% من الميزانية الخاصة بالإدارة أو المنظمة على تطوير هؤلاء.
  • حدد نسبة  20% من العمل التي تحقق 80% من النتائج ، ودرب مساعدا للقيام بالـ 80% من العمل  الأقل أهمية حتى تتاح لك فرصة للتفرغ.
  • اطلب من الـ20% من ( أهم موظفين لديك)  القيام بتدريب (20%) من الموظفين الذين يلونهم من حيث الأهمية.

بهذه الطريقة يمكن أن تخلق نوعا من الفعالية داخل منظمتك وان تزيد نسبة 20% ، فبدلا من كونها 20/80 فيمكن أن تصل إلي 30/70 أو 40/60  وهكذا.

مميزات التحليل::

  • يسهم  في التقييم المستمر للأداء ، من خلال تقييم الوسائل والأدوات المستخدمة في العمل ، وتؤدى إلى التحسين المستمر.
  • يعمل على حسن الاستفادة من الوقت وتحسين ظروف العمل.
  • يساعد   في تعديل الأهداف إذا كانت الأهداف الحالية لا تسير في الاتجاه الصحيح.
  • يساعد في التخلي عن الأعمال التي يستطيع غيرك إنجازها بطريقة أفضل وبسرعة أكبر، و لا تقم إلا بالأنشطة التي تحبها بنسبة 80% وابتعد عن التنافس في الأنشطة التي لا تحبها إلا بنسبة 20%.

 

مجالات التطبيق:

هذه التحليل يمكن تطبيقه في جميع مجالات الحياة ، وفى جميع الأنشطة والأعمال وعلى كافة  المستويات  الشخصية والعملية وغيرها ونذكر منها.

  • الأعمال التجارية: فيمكن من خلال مجموعة قلية من المنتجات تحقيق نسبة عالية من الأرباح.
  •  البحث العلمي: من خلال مجهود بسيط يمكن الوصول إلى نتائج أكبر ، ومن وقت قصير في البحث  والقراءة يمكن الوصول إلي استنتاجات مهمة.
  •  إدارة الموارد: يمكن تحقيق الاستفادة القصوى من الموارد والإمكانات المتاحة.

 

ما الذي يجب مراعاته  عند التطبيق؟:

  • ركز على الإنجازات المتحققة حسب درجة أهميتها وحلل كيف توصلت إليها  وركز على النقاط الإيجابية وقم بتعظيمها.
  • حدد أهدافك بدقة حتى تستطيع انجازها مهما تغيرت الظروف.
  • غير أهدافك وأستبدلها بأهداف جديدة عندما تتغير الظروف المحيطة. وأترك  الأهداف القديمة  التي لم تحقق النجاح.
  • ابحث عن النجاح والتميز في نطاق ضيق 20% فقط من المجال الذي تظن أنه يمكنك التأثير داخله . فالتركيز يوفر لك الفعالية ، تماماً مثل حزمة الأشعة التي تتركز في بؤرة العدسة المحدبة .
  • الأعمال التي يستطيع غيرك إنجازها اتركها لآخرين لأنهم يمكن أن ينجزوها  بطريقة أفضل وبسرعة أكبر، وركز على الأنشطة التي تستطيع أدائها بكفاءة عالية. وبالتالي توفر وقوتك وطاقتك.
  • تذكر أن 20% من المحاولات الفاشلة تسبب 80% من “عقدة الفشل” فركز جهدك على الأنشطة التي تمنحك الإحساس بالنجاح.
  •  لا تمنح أي موظف أكثر من 20% من الفرص التي يعتقد أنه جدير بها ليظهر 80% من فعاليته . وفي المقابل طبق نفس المعيار على نفسك.
  • إعطاء الأهداف المهمة 80% من وقتك وجهدك.

يتضح  من العرض السابق  أننا يجب أن نتعامل مع قاعدة 20 / 80 بطريقة غير حرفية . أي علينا ألا نتخذ من الرقمين 20 و 80 أرقاماً ثابتة  فنراها في كل الظواهر ونقحمها في كل المجالات . فلا يجب أن نخضع الواقع للقاعدة , بل علينا أن نخضع القاعدة للواقع .

المقالة : منشورة بدورية إدارة الجودة الشاملة ، العدد  (14)  إبريل 2009

Author: د. عبدالرحيم محمد عبدالرحيم

إستشاري التخطيط الإستراتيجي وقياس الأداء المؤسسي والتدريب - أستاذ الإدارة العامة المشارك - كلية المجتمع

Share This Post On