رحلة مع تجديد رخصة قيادة وفلسفة البيروقراطية المصرية

رحلة مع تجديد رخصة قيادة وفلسفة البيروقراطية المصرية

دكتور عبدالرحيم محمد

مستشار التخطيط الاستراتيجي وقياس الأداء المؤسسي

drabdo68@yahoo.com

بعدعشر سنوات من الحصول على رخصة القيادة والراحة التي إستمرات سنوات في عدم التعامل مع إدارة المرور ، جاء الوقت لبدء رحلة المعاناة في تجديد رخصة القيادة ،  أستطيع أن أجزم أن إستخراها لأول مرة أسهل مئات المرات من تجديدها.

نبدأ الرحلة من مرور الدقي حيث المكان الذي تم إستخراج الرخصة منه  أول مرة ، توجهت إلى وحدة مرور الدقي  قرأت الاوراق المطلوبة من لوحة قديمة متهالكة الجزء الأسفل منها غير موجود بالمرة ومعظمها عليها تعديل بخط اليد، توجهت إلى الموظفة سألتها عن كيفية تجديد الرخصة لأن الإجراء غير واضح من اللوحة المعلقة على الحائط  قالت لي إذهب إلى النيابة لإحضار شهادة مخالفات او إبراء زمة تثبت انك لم ترتكب مخالفات أو سداد ما عليك من مخالفات ، قلت لها أن ليس لدي سيارة ولم أقوم بقيادة سيارة في مصر منذ استخراج الرخصة ، ردت على قائلة هذه هي الإجراءات، سألتها أين النيابة قالت في الدور الثاني ، ذهبت إلى النيابة طلب مني الموظف  عشرة جنيهات أخذها بدون أن يعطيني أى مستند بها وقال لى صور البطاقة الشخصية صورتين وصور الرخصة  وتعالى، ذهبت للتصور صورت البطاقة صورتين بجنيهين اعطيت البنت التي تصور الورق خمس جنيهات كالعادة قالت لي كل سنة وانت طيب مفيش فكة تعال خد الباقي وإنت راجع ، ذهبت مرة أخرى لمن أعطيته العشر جنيها قال إذهب و إستلم من آخر شباك إنتظرت حتى جاءت اول مجموعة من شهادات المخالفات تم النداء على اصحابها وكانت هذه المجموعة من الذين عليهم مخالفات مطلوب دفعها ، قام البعض  بدفعها على الشباك وعندما أعترض أحدهم  على المبلغ قالت له إذهب للنيابة، بعض الناس ذهب وحصل على تخفيض وهذا ما عرفته عندما إلتقينا مرة أخرى في الطابور الطويل في الدور الأرضي حيث حصل البعض على خمسين في المائة تخفيض والبعض الأخر فضل عدم الإنتظار ودفع المبلغ . ثم جاءت المجموعة الثانية وهى مجموعة الذين ليس لديهم مخالفات سمعت إسمعى اخذت الشهادة وذهبت الى الدور الأرضي حيث كانت البداية  ( حتى لو كان علي مخالفات كنت هدفعها على الرغم من اني لم أقود سيارة في مصر من إستخراج الرخصة في عام 2006).

عندما وصلت إلى الشباك قالت لى الموظفة بعد الإطلاع على الأوراق إذهب إشتري دوسية وحافظة سألت قالت لى من على باب المرور ذهبت وإشتريت حافظة ودوسية من خارج المرور 35 جنية.

رجعت لها مرة أخرى طبعا مع الوقوف في الطابور مرة أخرى وعندما وصلت إليها سألتني أين  الشهادة الباطنة وشهادة النظر قلت لها ليس معى هذه الشهادات، من أين أحصل عليها  قالت لى إذهب وإحضرها من خارج المرور، سألت الأكشاك على باب المرور أين الشهادات قالو لي  من واحد إسمه محمود ، سألت عن محمود بتاع الشهادات الطبية  في البداية تخيلت أنه سوف يرسلي إلى مستشفي قريبة لإستخراجها ولكن إكتشفت ان محمود هو بياع الكبدة أمام المرور لديه شهادات مطبوعة بإسم مستوصف زمزم ومختومة ويقوم بكتابة الاسم على شهادة النظر والباطنة وتدفع له 40 جنيها ، ووضع صورة شخصية على كل شهادة وانتهى الأمر ، المصيبة الكبيرة أن كل هذا يتم بمعرفة المرور ، واضح ان هناك إتفاقية بين محمود وموظفين بالمرور ،عموما اشريت الشهادات من محمود بتاع الكبدة أو الدكتور محمود كبدة، ذهبت للموظفة  حولتني إلى موظف آخر قال إنت إقامتك في  الهرم  وبالتالي  تجدد الرخصة من مرور حدائق الأهرام ، قلت له لماذا يا استاذ أنا اول مرة إستخرجتها من هنا ومكتوب عليها مرور الدقي قال النظام إتغير، قولت له   عندك حق النظام فعلا إتغير بس إحنا لم نتغير حتى الآن ، المهم قلت له كيف أستخرجها من هناك قال لي إذهب إلى التصوير بعد الشباك الأخير وتعرف الإجراء. ( التصوير وهو المكان الذي نتصور فيه للحصول على الرخصة )  كان إسمي ضمن من ينتظرون التصوير هم بالطبع منتظرون في خارج هذه الغرفة  والكثير من المعارف والوسطي يدخلون يتصورن ويخرجون وانا في الإنتظار لأني ليس معى وسطي ، في النهاية دخلت وسألتهم لماذا لم أسمع إسمي للتصوير ، قالو لي أنت ليس لك تصوير هنا  تصوير هنا إنت تأخذ فقط شهادة بيانات وتذهب للتصوير في مرور حدائق الأهرام، قلت نعم انا احب النظام من أين اخذ شهادة البيانات قالو لى من شباك واحد ذهبت إلى شباك واحد وفي الطابور كونت العديد من الصداقات ومنهم الرجل الطيب عاشور الذي جاء لتجديد رخصته التي إنتهت من خمس سنوات ولم يكتشف أحد إلا من خلال لجنة تفتيش ودفع 1000 جنية غرافة و لذلك فكر في تجديد رخصتة، إنتظرت بعض الوقت  ثم  سمعت إسمي يدوي فرحت جدا الحمد لله جاءت شهادةالبيانات وهى عبارة عن  شهادة تتضمن بيانات الرخصة تم تغليفها في ماكينة التغليف  وقالو لى بسرعة على حدائق الأهرام ، قبل ذلك طلب منى تصويرها صورتين  وتسليم واحدة لوضعها في الملف والأخرى أخذها معى هى والأصل إلى حدائق الأهرام. ( للعلم تلقيت عرضا للتصوير في الدقي والحصول على الرخصة مقابل 150 جنيها، وكنت مستعدا لأن هذا هو النظام ، ولكن لم أفهم أعرف الطريق إلى ذلك لجهلي بهذه الإجراءات).

بعد الاستلام إكتشفت أني لا أعرف مكان مرور حدائق الأهرام قمت بعمل اتصالات حتى عرفت المكان أخذت الرجل الطيب عاشور معي وركبنا ميكروباس ( او ميكرو باظ) ولحسن الحظ إنطلق الميكروباس بسرعة وبمساعدة الركاب حددوا لنا الموقع نزلنا قريبا من المرور خطوات وصلنا، تخيلت أني سوف أتصور بسرعة ، ذهبت بسرعة للتصوير قال إذهب للاستعلامات ، ذهبت للإستعلامات للإطلاع على الأوارق طلبت مني الموظفة  صورة شهادة البيانات، وصورة البطاقة صورتين ودوسية وملف نفس ما حدث في مرور الدقي قمت بشرائه مرة أخرى ، بعد ذلك ذهبت إلى شباك 23  قابلت  الموظف البشوش ، قال لي اهلا ياباشا اعطيته الأوراق قال لي يارب تكون وصلت على السستم ، طبعا فاكرني مش عارف حاجة كل بيانات المرور مربوطة بالكامل على شبكة والشهادة التي إستخرتها من مرور الدقي هى موجودة على الشبكة،  قالي بسرعة إلحق الخزنة إدفع المبلغ ده قبل الساعة الواحدة ذهبت بسرعة دفعت 55 جنيها ورجعت بسرعة وجدت كل شيء تم بسلام.   صبحت عليه بخمسين قال ياباشا إنتظر التصوير. تم استدعائي أكثر من مرة أثناء إنتظار التصوير للتأكد من المؤهل والوظيفة وكتابتهما بطريقة لائقة في الرخصة وكذلك التأكد من مطابقة الاسم باللغة الانجليزية كما هو موجود في جواز السفر ، صراحة نقاط إيجابية ، بعد قليل دخلت للتصوير ، ودقائق وإستلمت الرخصة . وتركت المرور مسرعا للمنزل، ولكن في الطريق نسيت اني لم أودع  الرجل الطيب عاشور نظرا لفرحة الإنتهاء من تجديد الرخصة التي إستغرقت من الساعة العاشرة صباحا وحتى قبل الساعة الثانية بعد الظهر بقليل، والذي أكد لدى احد الأصدقاء ان هذا إنجاز غير مسبوق لأنها في العدة تستغرق وقتا يصل إلى ثلاثة أيام.

لو نظرا لوجدنا عملية تجديد رخصة قيادة إستغرقت أكثر من أربع ساعات وكم كبير من الأوراق وإجراءات معقدة وفساد مالي وإداري واخلاقي ، كل هذه الخطوات التي تمت في اربع ساعات يمكن أن تنجز في 30 ثانية أى نصف دقيقة بدون فساد ، وفي نفس الوقت تحقيق رضاء عام عن أداء الدولة وذلك في حالة تطبيق نظام إلكتروني لا يكلف الدولة شيئا فمن خلال الرقم القومي يمكن للشخص أن يجدد من خلال  من الموبايل أو من موظف المرور أو من المنزل أو من أى مكان و بالتالي يدفع المخالفات في حالة وجودها مباشرة وينتقل لخطوة أخرى لدفع الرسوم ثم التجديد كل ذلك من خلال الدفع ببطاقة الائمان أو إستحداث نوع من بطاقات الدفع للذين ليس لديهم حسابات بنكية كما هو موجود في بعض الدول ، وبالتالي يمكن الفصل بين مقدمي الخدمة وطالبي الخدمة وبالتالي القضاء على الرشوة والمحسوبية  والفساد والبعد عن محمود بتاع الكبدة الذي يصدر الشهادات الصحية ( باطنة ونظر) أمام مرور الدقي.

دعوة من شخص مصري يحب مصر ويري مصر رائدة حتى في ظروفها الحالية ويؤمن بأنها سوف تقود العالم كله ، الرجاء إعادة النظر في طريقة تقديم الخدمات وتحسين أسلوب ادائها.

حفظ الله مصر

قيادة وحكومة وشعبا

تحيا مصر تحيا مصر تحيا مصر

للحصول على المقالة إضغط هنا    فلسفة البيروقراطية المصرية

Author: د. عبدالرحيم محمد عبدالرحيم

إستشاري التخطيط الإستراتيجي وقياس الأداء المؤسسي والتدريب - أستاذ الإدارة العامة المشارك - كلية المجتمع

Share This Post On