رحله مع عظمة البيروقراطية المصرية : في أي عصر نحن؟

رحله مع عظمة البيروقراطية المصرية

“في أي عصر نحن؟”

 

دكتور

عبدالرحيم محمد

استشاري التخطيط الاستراتيجي وقياس الأداء المؤسسي

drabdo68@yahoo.com

توجهت وأخي لكى أعمل له توكيل ليحل محلي في بعض الأمور نظرا لإقامتي بالخارج، وتوجهنا للشهر العقاري بميدان الجيزة حيث المكان المقصود، هذا المكان الذي أراه منذ عشرات السنين لم يتغير شكلا او مضمونا، وكان الموظفين كما هم والجمهور كما هو، عندما تدخل الى باب ضيق  لا يوحي إليك ولا تشعر أنك ذاهب إلى مؤسسة حكومية تليق وعظمة وتاريخ دولة صانعة الحضارة وعلمت العالم الإدارة، لا يمكن أن تتخيل أن هذه مؤسسة مؤسسة حكوميه في عصر التكنولوجيا وإنهاء المعاملات عن بعد، ولكن تعود الى عصر ما قبل التاريخ، عندما تصعد السلم وتصل الى مكان عمل التوكيل، تجد زحاما شديدا وأصوات عاليه وشكوي وضجر من عدم وجود تعليمات واضحه او إجراءات محددة، حتى الناس أنفسهم غير قادرين على التعامل مع أنفسهم.

سألت عن كيفية عمل توكيل خاص وجهني المراجعين الى باب في اخر الصاله الضيقة المكتظة بالكتل البشرية والرائحة السيئة، يقف على الباب موظف اسمه احمد سألته عن عمل التوكيل الخاص قال بطاقتك يا أستاذ اذهب واشترى استمارة من الخزنة، شكرته على المعلومة القيمة وتوجهت وانا اصارع الزحام الى الخزنة وقفت في الطابور الذي ليس بطابور ولكن تجمع بشري على شباك عليه شبكة حديديه والموظف يجلس خلفه كانه سجين يعمل بشكل آلي وهو كارها للحياه، بعد وصولي بسلامه الله قال الموظف الاستمارة ليست هنا ، إذهب إلى الباب الاخر شكرته على النصيحه وذهبت حتى وصلت إلى الموظفة قبل ان انطق بكلمة قالت الاستمارة خمس جنيه، أكدت عليها أريد استمارة توكيل خاص قالت نعم دفعت استلمت وبسرعه وسط الزحام وصلت الى احمد وقولت له احضرت الاستمارة قال انتظر لما تسمع اسمك، انتظرت كثيرا وبين الحين والآخر اسأل أستاذ احمد دور قريب يقولي باقي ٢٠ ، باقي 15، وهكذا ، حتى جاء دوري كنت فرحا دخلت داخل الغرفه التي يقف علي بابها  كانت لحسن الحظ اقل زحاما وقفت في طابور ليس أفضل من السابق ، وصلت للموظف كتب البيانات وعندما وجد ان صيغة التوكيل طويله قال اكتبها انت لم يكن معي قلم ساعدني أحد الجمهور حيث كان لديه قلم وأكملت التوكيل، انتهيت، سالت احمد ما هى الخطوة التاليه قال اذهب إعمل تقدير الرسوم وقفت في الطابور قد رت الرسوم سالت عن المرحلة التاليه قال ادفع في الخزنه وقفت في طابور الخزنه دفعت الرسوم ١٠ جنيهات اخدت ايصالا ذهبت لاحمد قال لي إذهب للحصول على تأشيرة شراء من الشقة الثانية عند أستاذ شاهين ذهبت لم اجد الاستاذ شاهين بالمكتب ولكن كان في مكان اخر يحل مشاكل العملاء ، عندما وصل عرفته من منظره حيث الهيبة والوقار،  أعطيته التوكيل قال خليه شويه نظرا لإعطاء تأشيرات للآخرين ( للعلم التاشيرة هنا هي توقيع الموظف على الطلب وليس تأشيرة دخول إلى دولة آخرى ولكن هي تأشيرة دخول إلى دولة داخل مملكة البيروقراطية المصرية) قرأه ووقع ، ذهبت مره اخرى الى احمد  أخذ منى التوكيل وقال انتظر، انتظرت سمعت اسمي دخلت عند موظف اخر فتح دفتر كبير سجل بيانات التوكيل أرسلني لموظفه اخرى وقعت بدون قراءه أي شيء مكتوب مثلها مثل التوقيعات السابقة يوقعون دون النظر إلى ما هو مكتوب وهذا دليل على عدم أهمية هذه الإجراءات العقيمة ولكنها أدوار يقوم بها الموظف لتعقيد الناس وحتى يشعر أنه يؤدي عملا في جهاز عدد موظفيه أكثر من ستة ملايين موظف، أرسلتني الموظفه بدورها لموظف اخر كتب اسمي ورقم البطاقة على التوكيل وأعطاني التوكيل ذهبت لأحمد قال لى مبروك التوقيع خلص إذهب إلى الشقه الثانية لامضاء المديرة ووضع ختم على التوكيل، ذهبت المديرة ختمت التوكيل بدون النظر إلى ما هو موجود يمكن ان يكون ذلك لثقتها في موظفيها أو لعدم أهمية التوكيل، خرجت سعيدا وفي يدي التوكيل والنَّاس تنظر الى وانا أقول الحمد لله خلصت التوكيل بسرعه في ساعتين ونص.

يا له من وقت ضايع بدون فائدة يا لها من إجراءات عقيمة كل هذا كان الممكن ان ينتهي في عشر دقائق على الأكثر وبدون زحام ولكن هى البيروقراطية المعقدة ليس العيب فيها ولكن في الذين عقدوها بهذا الشكل ، عندما وضع ماكس فيبر النموذج البيروقراطي كان نموذجا مثاليا في الإدارة ولكن عبقريتنا حولتها إلى مرض إداري، فليس العيب في البيروقراطية ولكن في كيفية استخدامنا لها، فالبيروقراطية من مفهومها اللاتيني تعني حكم المكتب أو إدارة المكتب ويقصد بها الجهاز الإداري للدولة.

حل هذا الوقت الضايع يتمثل في جهاز كمبيوتر واستخدام الرقم القومي يمكن ان ينهي هذه الإجراءات في ثوان.

عندما تحدثت مع الموظفين عن التطوير وجدت انهم لديهم الرغبة في ذلك ولكن فكر المدراء العقيم لا يقبل التغيير.

الشعب المصري يستحق الأفضل ويستطيع بعبقرتيه ان يفعل ذلك ولكن أين الطريق الامر يحتاج ثوره إداريه وتغيير الفكر لتطوير الادارة ، يحتاج من يقدمون الاستشارات للوزراء والمسئولين أن يفكروا ويقولون الصدق وينصحون بالتطوير.

وقت كثير ضاع مني في عمل التوكيل ووقت اكثر ضاع في كتابه هذه المقالة عن الأمور السلبيه التي لو لم تكن موجودة في الشهر العقاري أو غيره ما ضاع وقتي في عمل التوكيل وما ضيعت وقتى ووقتكم في كتابه وقراءة هذه المقاله

ضاع وقتى والدوله استفادت فقط بخمسه عشر جنيها كان من الممكن ان اوفر وقتي واعطى الدولة خمسون جنيها وانا في غاية الرضا

سيادة الرئيس الحل الذي يساهم في تطوير الادارة المصرية بدون تكاليف بل وزيادة العائد المادى للدولة وتحسين الظروف المعيشية والوظيفية للموظف وزيادة الرضا عن الدولة موجود وسهل التنفيذ، ولكن الأمر يحتاج إلى البحث عن من لديهم حلول التطوير وهو كثيرون في مصر من أبنائها الذين لديهم من الفكر الذي يطور مصر وغيرها، الأمر يحتاج إلى جهة متخصصة للبحث عن الأفكار وكيفية التطوير، الأمر يحتاج إلى تغيير القيادات والمدراء أصحاب العقلية المتخلفة والفكر العقيم، هؤلاء ليس وقتهم ولا زمانهم ، العالم تغير ويتغير ومن لا يتغير يموت، الأمر يحتاج إلى تطوير فكر الادارة المصرية. الأمر يحتاج إلى التركيز على رأس المال الفكري وأصحاب العقول والأفكار، الدول تصنع بأفكار أبنائها وتنهض بسواعد شعبها.

Author: د. عبدالرحيم محمد عبدالرحيم

إستشاري التخطيط الإستراتيجي وقياس الأداء المؤسسي والتدريب

Share This Post On