الإدارة بالقيم في عصر المتغيرات

  الإدارة بالقيم في عصر المتغيرات

 

دكتور

عبدالرحيم محمد

استشاري التخطيط الاستراتيجي وقياس الأداء المؤسسي

drabdo68@yahoo.com

 

 

هناك العديد من المتغيرات والتطورات التي تواجه العالم هذه الأيام وذلك نتيجة الثورة التكنولوجية الهائلة والتطور المعلوماتي  الكبير ، هذه  الأحداث   نتج عنها تغيرا كبيرا  في مبادئ وقيم العنصر البشرى سواء العاملين داخل المؤسسات  أو المتعاملين معها، مما كان له أكبر الأثر على نظم وأساليب العمل، مما دفع المنظمات  إلى    التفكير في البحث عن حلول لعلاج هذه القضايا.

وهناك اهتمام كبير على المستوى العربي بالإدارة بالقيم  ففي عام 2004م أسست غرفة تجارة وصناعة دبي  مركز دبي لأخلاقيات العمل ، لإبراز أهمية مفهوم أخلاقيات العمل والنزاهة المؤسساتية في إنجاح الأعمال، وكذلك للترويج لدبي كبوابة عالمية للأعمال والتجارة في المنطقة، فضلاً عن مساعدة المؤسسات على تطبيق ممارسات الأعمال المسئولة التي تركز على تحسين الأداء والقدرات التنافسية.

وبالنظر إلى الإدارة الحديثة نجد أنها تهتم بوظائف الإدارة الرئيسية التخطيط والتنظيم والتوجيه والرقابة في إدارة المنظمات والمؤسسات ، ولكن يتضح أن هناك مكون مهم تم إهماله ، ألا وهو ( منظومة القيم الأساسية ) . والتي يقصد بها  توظيف الطاقات الكامنة المتاحة في العنصر البشري. فقد  أغفلت المنظمات فهم طبيعة السلوك البشري  والقيم الإنسانية وأثرها على أداء العاملين ، فضلاً عن ترسيخ مجموعة من قيم العمل من منطلق تعقد الحياة الاجتماعية وكثرة الضغوط النفسية التي تقع على عاتق الفرد والمؤسسة بشكل عام .

وتُعد القيم الشخصية من العناصر الأساسية لثقافة المنظمات، أو ما يطلق عليها الثقافة التنظيمية، فهي تُؤثّر تأثيراً كبيراً في حياة الأفراد الخاصة والعملية، بوصفها أحد المكونات الأساسية للشخصية، ويشمل تأثيرها سلوك الأفراد، واتجاهاتهم، وعلاقاتهم. وهي بذلك تُوفِّر إطاراً مهماَّ لتوجيه سلوك الأفراد والجماعات وتنظيمه داخل المنظمات وخارجها، إذ تقوم بدور المراقب الداخلي الذي يُراقب أفعال الفرد وتصرفاته. فالقيمة هي ما يعتبره الفرد مهماً، وذا قيمة في حياته، ويسعى دائماً إلى أن يكون سلوكه متسقاً، ومتوافقاً مع ما يؤمن به من قيم.

و مفهوم " القيم " من أدق و أصعب المفاهيم بالنظر إلى سعة مصدرها ،  وشموليتها وكيفية تحقيقها،  و يمكن التمييز بين نوعين من القيم فهناك  قيم مادية ، و قيم نفسية و طبيعية،  وتعمل الجماعة على خلق هذه القيم ، فهي قيم مجتمعية ، أو بمعنى آخر تلعب الجماعة والمجتمع دورا كبيرا في خلق هذه القيم.

ونتيجة عدم اهتمام  المنظمات بالقيم الإنسانية انعكس ذلك  سلبا على جودة الإدارة،  في  تقديم خدمات ذات جودة عالية. ونتيجة لغياب القيم  زادت  الصراعات داخل المؤسسة وأصبحت تعرقل المدير عن القيام بالتحديث والتطوير  الذي يؤدى إلى  تحسين جودة الخدمة أو المنتج الذي تقدمه المؤسسة.

من هنا بدأ يظهر مفهوم الإدارة بالقيم، وهو من  المفاهيم الإدارية الحديثة التي بدأت في الظهور على الساحة في السنوات الأخيرة ، على الرغم من أن أصوله موجودة منذ القدم. وتعرف  الإدارة بالقيم بأنها منظومة القيم الأساسية  التي تهتم  بتوظيف الطاقات الكامنة في البشر للوصول إلى  درجة عالية من جودة الأداء.

الإدارة بالقيم هي  فلسفة إدارية جديدة قيم جديدة يتفق عليها الجميع وأهمها الاستقامة والنجاح والعدالة والرضاء  الوظيفي وغيرها من القيم والاحتكام إلى هذه القيم يؤدي من وجهة نظري إلى الأداء والانجاز المتميزين .

والقيم الإنسانية الموجودة بالأفراد تتضائل أمامها القيم الأخرى الموجودة في المؤسسة مثل الثروة والسلطة فبدون القيم الإنسانية  لا يمكن التوظيف الأمثل للقيم المادية الأخرى، وهذا لا يعنى أن القيم المادية غير ذات قيمة ، بل يعنى أن القيم الإنسانية هي محرك فاعل لزيادة القيمة المضافة للعناصر المادية.

كما أن الإدارة بواسطة القيم لا يقصد بها إلغاء الجوانب الإدارية الأخرى كالإدارة بواسطة المال أو المناصب أو الإدارة بواسطة القوة؛ بل قد يجعلها وسائل أو طرقاً حكيمة ، لأن الإدارة بالقيم تقوم على أساس العلم  ثم الفن ثم الضمير والخلق العالي.  لذلك فإنها في الوقت الذي تعمل بالرحمة والمحبة والاتحاد والتماسك الروحي وتحفز الإنسان لإنجاز الأدوار بقناعاته وإرادته، لا تنسى الحدود والضوابط العلمية القائمة على الحاجات والقدرات والخطط اللازمة  لقيادة العمل إلى الأفضل، كما أنها  لا  تهمل التجارب والاختبارات الإنسانية في الفعل ورد الفعل فالإدارة بالقيم  أوسع مجالاً من غيرها لأنها تضم تحت جناحيها إيجابيات سائر الطرق الإدارية.

 

كيفية خلق القيمة:

بداية إذا نظرنا للموضوع من زاوية إستراتيجية، يجب أن نبدأ من البداية، واقصد هنا أن نزرع القيم في أطفالنا منذ الصغر  في المنزل ، وندربهم عليها في المدرسة والجامعة خلال المراحل التعليمية، ويطبقوها في عملهم ، هذا الاتجاه هو الأقوى في خلق القيم ، فهو يركز على زراعة القيم والمبادئ في الإنسان منذ نعومة أظفاره، وإذا ما تم ذلك يكون لدينا إنسانا معدا للعمل بكفاءة وفعالية وقائدا في موقعة، أما الاتجاه الثاني فهو كيفية خلق القيمة في الوقت الراهن، فهذا يتطلب من المؤسسات الاهتمام بالعاملين بها من خلال التدريب الذي يهدف إلى خلق الولاء والانتماء للموظف تجاه منظمته، ومشاركة الموظف في صناعة القرارات والخطط التي تقوم بها، بالإضافة إلى الدورات التنشيطية التي تركز على التجارب الناجحة للمنظمات التي تعمل من منطلق مفهوم القيم. مما سبق يمكن خلق القيمة، ولكن لابد أن نهتم بالاتجاه الأول الذي وهو الاتجاه الإستراتيجي الذي يركز على خلق القيمة منذ البداية من المنزل ومرورا بمراحل التعليم المختلفة، وبالتالي تكون القيم ثقافة مجتمعية لدى جميع الأفراد ويكون هناك جيلا مؤهلا للعمل بالمنظمات.

واهتمام المنظمة بخلق القيم الإدارية   يكون طريقا جيدا ووسيلة مناسبة لتقليل الاختلاس والرشوة والمحسوبية وتحقيق العدالة في الاختيار والتعيين، ومنع الصراعات ورفع الروح المعنوية بين العاملين وتحقيق الرضاء للمتعاملين. كما أن الإدارة بالقيم تعزز الدور  الاجتماعي والمسئولية الاجتماعية للمنظمة  تجاه المجتمع الذي تعمل به.

 

يمكن تنزيل المقالة من هنا الإدارة بالقيم في عصر المتغيرات

Author: د. عبدالرحيم محمد عبدالرحيم

إستشاري التخطيط الإستراتيجي وقياس الأداء المؤسسي والتدريب

Share This Post On