بناء وإدارة الدولة رؤية لتطوير الجهاز الإداري الحكومي في مصر

بناء وإدارة الدولة

رؤية  لتطوير الجهاز الإداري الحكومي في مصر

دكتور

عبدالرحيم محمد

إستشاري التخطيط الإستراتيجي وقياس الأداء المؤسسي

drabdo68@yahoo.com

تسعى الدول إلى تحقيق الرضاء العام لشعبها ، ولا يمكن أن تحقق الرضاء العام عن أداء الدولة إلا من خلال توفير إحتياجات المواطنين بدرجة عالية من الجودة ومراعاة تقديمها بطريقة مناسبة تتناسب وطبيعة المجتمع،  فمtهوم الرضاء العام تغير الآن ، في الماضي كان يركز على الكم أى عدد الخدمات التي تقدمها الدولة لمواطنيها، ولكن الأمر إختلف في ظل الوضع الحالي والتغيرات العالمية والإنفتاح على العالم فأصبح قياس الرضاء العام بالكيف وليس الكم بمعنى أن الرضاء يتحقق من خلال طريقة اداء الخدمة وليس من تقديم الخدمة ذاتها ، فشعور المواطن أو الجمهور بالمعاملة الحسنة وسرعة الحصول عليها  هى التي تشكل الرضاء العام حاليا. فالأهم هو التركيز على طريقة تقديم الشيء وليس الشيء نفسه.

يعتبر الجهاز الحكومي المصري من أضخم الأجهزة الإدارية في العالم بمقارنة عدد الموظفين بعدد المواطنين، فعدد الموظفين في الجهاز الحكومي المصري قد يتجاوز ستة ملايين موظف ومع ذلك هناك  عدم رضاءعن أداء الجهاز الإداري للدولة وعن الخدمات التي تقدمها الدولة للمواطنين.  هذا العدد الهائل من الموظفين في الجهاز الحكومي وبينهم الكثيرين لديهم القدرات والمهارات العالية ولكن   المشكلات الكثيرة في الجهاز الحكومي جعلته يترهل ويصبح مصابا بداء الفيل لدرجة أنه يكاد ان ينهار من كثرة ما يعن به من أمراض إدارية جعلته يشيخ  ويحتضر لأنه لايستطيع مواكبة التغيرات الرهيبة التي يتغير بها العالم ويتغير بها نظام العمل.

فالنظام البيروقراطي الذي يحكم الجهاز الحكومي هو نظام جيد، فليس العيب في البروقراطية لأنها هى نظام العمل وهى النظام المثالي الذي وضعه عالم الإجتماع الألماني ماكس فيبر ، ولكن العيب في الإجراءات وأسلوب العمل الذي حول البيروقراطية من نظام عمل لإدارة الدولة إلى مرض في الجهاز الإداري . وهنا لابد من التدخل الآن وخاصة أن مصر تمر بتحولات كبيرة بعد ثورتي 25 يناير 2011 و30 يونيو 2013 ،  وخاصة أن الشعب يريد أن يشعر بإنجازات هذه الثورات ونتيجة خروجه إلى الميادين والشوارع وتحقيق الأمل الذي يسعي إليه فالشعب المصري إحتياجاته في غاية البساطة هى مجرد العيش والحرية والكرامة الإنسانية ، فالفترة التي نعيشها الان تحتاج من الدولة تقديم إنجازات سريعة Quick Wins  ليشعر بها المواطن وهذه بعض النصائح  من السهل تحقيقها بأبسط الأشياء ويمكن عرض أهمها فيما يلي:

أولا: تطوير الخدمات الأساسية التي يحتاجها المواطن بشكل دوري مثل الخدمات التي تقدمها مصلحة الجوازات ومصلحة الجنسية ووثائق السفر، المرور ، التعليم ، الشئون الإجتماعية ، الصحة والتي يشعر فيها المواطن بالعذاب عندما يريد أن ينهي أى معاملة، وذلك من خلال إستخدام ا لتكنولوجيا الحديثة  وخاصة أن هناك في مصر شبكة متكاملة تضم بيانات جميع المواطنين   فقط تحتاج إلى تفعيل وبالتالي تقليل عدد الأوراق المطلوبة من المواطنين وعدد مرات التردد على المصلحة للحصول على الخدمة، ويمكن تطبيق أى من النظم المتعارف عليها دوليا في العمل وهى النظام الثنائي Dual System  وهو أن الدولة تقدم الخدمة بتكلفة مقابل رفاهية معينة والعائد من هذه الخدمة يتم به تطوير الأجهزة الحكومية  الأخري في نفس المجال أوغيره ونفس الخدمة تقدم لمواطن آخر بدون تكلفة ، وهذا النظام بالفعل موجود في مصر في قطاع الصحة فهناك  داخل المستشفيات الحكومية نظام علاج إستثماري لمن يرغب في الحصول على الخدمة المميزة مقابل دفع مبالغ كبيرة ، وهناك العلاج المجاني ، في الواقع  يقدم بمستوى متدني ولكن التطبيق الجيد للفكرة يحقق جودة في هذا النوع من العلاج إذا تم توظيف الموارد توظيف صحيح. النظام الثاني هو نظام إسترداد التكلفة Cost Recovery   وهو أن الحكومة تقدم الخدمة بنفس التكلفة التي تكلفتها هذه الخدمة، و النظام الثالث هو رسوم الإنتفاع User fees وهو تقديم الخدمة بمقابل اقل من قيمتها الفعلية . التفكير في العمل بهذه النظمة يوفر الكثير الراحة للمواطنين وتحقيق درجة رضا عالية.

ثانيا:   إعادة تنظيم العمل وتطوير مكان العمل فهناك الطوابير الهائلة التي تصيب الموظف بالإحباط وهى داخل مباني ضيقة ، لماذا لايتم إستخدام نظام الدور بالأرقام وهذا لن يكلف كثيرا  داخل مباني واسعة للأجهزة الحكومية وزيادة عدد الموظفين مقدمي الخدمة فهناك زحام شديد في الكثير من المصالح وعدد الموظفين قليل أو أنهم قدامي في الموقع، وبالتالتالي يمكن التوظيف المؤقت لعدد من خريجي الجامعات مقابل راتب شهري لا تتحملة الدولة ولكن وضع رسوم رمزية على كل معاملة لا تؤثر على المواطن ولكنها في النهاية توفر مبالغ ضخمة للدولة وراتب شهرى مناسب للشباب بدلا من البقاء بلا عمل ، وفي نفس الوقت تخفيض معدلات البطالة ووجود أشياء يشغل بها الشباب وقته و التفكير في مستقبلة ومصلحة الوطن.

ثالثا: البدء التدريجي في إعادة هيكلة الأجهزة الإدارية في الدولة ، والبدء من الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة وأجهزة الدولة الآخرى وإعادة تخطيط  وتوزيع الموظفين على الأجهزة الحكومية وإعادة توزيع أماكن تقديم الخدمة وزيادة عدد الفروع في أماكن مختلفة داخل الدولة وخاصة في القاهرة الكبرى لتقليل عدد المواطنين  الذين يراجعون خدماتهم في مكان واحد، فمضاعفة أماكن تقديم الخدمات وتقديمها بطريقة حديثة وتوفير راحة المواطنين سوف يقلل من الإزداحام ورضاء المواطن عن الخدمات وعن الدولة.

رابعا: إعداد خطة تنمية بشرية لتطوير ورفع مهارات العاملين في الدولة من خلال التدرب والتعليم والإطلاع على التجارب المتقدمة في مجال تقديم الخدمات بدلا من نظام التدريب التقليدي الذي يجبر عليه الموظف وهو غير راغب فيه لنه في كثير من الأحوال غير مفيد وبعيد عن عمله ولكن تدريب لمجرد التدريب.

خامسا:  تحديد الحد الأدني للأجور ثم ربط الأجر بالإنتاج وذلك لتشجيع الموظفين على العمل فمن يعمل المطلوب منه أولا يعمل يأخذ الحد الأدني للأجر ومن يعمل بكفاءة يحصل علىالمزيد من الأجر وباالتالي هذا يحقق الجد والإجتهاد في تقديم خدمة ذات جودة عالية والنهوض بالدولة.

هذه المقالة هى مقدمة لسلسلة من المقالات سوف تركز على رؤية مقترحة لتطوير خدمات الدولة في جميع المجالات الصحة والتعليم والزراعة والإعلام  وجميع الخدمات التي تقدمها الدولة

نلتقي ومقالة جديدة حول بناء وإدارة الدولة 

Author: د. عبدالرحيم محمد عبدالرحيم

إستشاري التخطيط الإستراتيجي وقياس الأداء المؤسسي والتدريب

Share This Post On