الإبداع رؤية مختلفة

الإبداع رؤية مختلفة

دكتور
عبدالرحيم محمد
استشاري التخطيط الاستراتيجي وقياس الأداء المؤسسي
drabdo68@yahoo.com

رسم احد المدرسين دائرة صغيرة علي السبورة وسال الطلاب ماذا ترون ، فكانت إجابات الطلاب متنوعة ومتباينة، فمنهم من قال أنها دائرة والبعض فال ر قم خمسة ، وآخرون نظروا إليها علي أنها خاتم ، وهكذا تنوعت الآراء، ثم قام أحد الطلاب وقال إنها عمود تليفون او كهرباء أو عمود يعلق عليه العلم ، كيف يكون ذلك، هذا الطالب عندما نظر إليه نظر من اعلي، ولم ينظر من الزاوية التي نظر منها الآخرون. هنا الإبداع لأن الجميع نظر للدائرة من منظور واحد وهو مستوي النظر ولكن الإبداع هو الخروج عن هذا المستوي إلي مستوي أعلي وهذا لم يفكر فيه الكثيرين.
من هنا نحن في حاجة إلي تغيير نظرتنا للحياة والنظر إلي الأشياء من زوايا متعددة والتخلص من الروتين الفكري ، وننطلق إلي الإبداع.
قصة أخري في التفكير غير المألوف ، أربعة من الأصدقاء فكروا في قضاء أجازة نهاية الأسبوع ، وتوجهوا إلي الجهة التي يقصدونها وهناك كان الجو رائع ففكروا أن يبقوا يوما إضافيا ولكن احدهم اخبرهم أن يوم الأحد عليهم امتحان شهري، فقال احدهم نتصل بأستاذ المادة ونقول له أننا نقضي أجازة ولدينا مشكلة نتيجة انفجار إطار السيارة، وينتظرون من يعود بهم ، وعندما اتصلوا بالأستاذ وافق علي تأجيل الاختبار . وعندما رجعوا يوم الاثنين جعل الأستاذ الطلاب الأربعة كل واحد منهم في ركن من أركان القاعة وطلب منهم الإجابة عن الأسئلة التالية :
1. أي ‏إطارات السيارة الأربعة أنفجر؟
2. كم كانت الساعة وقت حدوث الحادث؟
3. من منكم كان يقود السيارة في ذلك ‏الوقت؟
4. ما هو ترتيب جلوسكم في مقاعد السيارة؟
5. هل تضمن أن يجيب بقية أصحابك بنفس إجابتك؟
6. هل كان الإطار الأمامي الأيمن أو الأيسر أو الخلف الأيمن أو الأيسر؟
في أخر الأسئلة ملاحظة : إذا كانت إجابتكم متطابقة فسوف أعطيكم الدرجة كاملة.
هذا الأستاذ فكر بطريقة غير مألوفة فيها نوع من الإبداع ، وبالتالي يستطيع أن يكشف مدى صدق هؤلاء الطلاب.

من الأكثر إبداعا الرجل أم المرأة؟
سؤال قد يثير جدلا عند كثيرين ، فالرجل يري أن الرجال هم الأكثر إبداعا، وفي المقابل المرأة تري أن النساء هن الأكثر إبداعا، الحقيقة أن الله سبحانه وتعالي جعل الإبداع نسبي بين الجميع وليس نوعي ، أقصد أن الإبداع ليس علي أساس النوع ذكر أو أنثي ولكن الإبداع موجود عند الاثنين بنسب متفاوته، لو نظرنا إلي مجالات الحياة المختلفة تري أن هناك نساء مبدعات وهناك رجال مبدعون كل في مجاله، وذلك لأن الله سبحانه وتعالي أعطي لكل إنسان سر بقاء لكي يستمر ويعيش في هذه الحياة هذا السر يختلف من شخص إلي آخر. وبالتالي الرجل مبدع والمرأة مبدعة، ولكن الأكثر إبداعا هو الذي يستطيع أن يكتشف ما لديه من مهارات وقدرات ويوظفها بالشكل الذي يحقق الأهداف التي يسعي إليها.

المنغلقون علي أنفسهم لا يبدعون.
هناك أشخاص دائما يرون أنهم يعرفون كل شيء وأنهم دائما علي صواب وغيرهم علي خطأ ، ويتوهمون من أن ما يقومون به من أعمال أهم من أعمال الآخرين ، هؤلاء هم أصحاب الأفق الضيق والعقلية المنغلقة ، التي لا ترغب في التعامل مع الآخرين إما لضعفها وخوفا من أن يكشفها الآخرون ، وإما لأن ليس لديها شيئا يحاكي الآخرين، هؤلاء دائما بعيدون عن بؤرة الإبداع .
أما المبدعون دائما يبحثون عن الطرق والحلول البديلة ولا يكتفون بحل أو طريقة واحدة. يمتلكون إرادة وتصميم وأهداف محددة وواضحة يعرفون كيف يصلون إليها، ولا يهتمون بتعليقات الآخرين، بل يسمعونهم، ولا يخشون الفشل أبدا وإنما يحولون الفشل إلي تجارب ناجحة، بل وينظرون للفاشلين علي أنهم مادة خصبة يمكن الاستفادة منها في تحقيق النجاح ، من خلال معرفة أسباب فشلهم وبالتالي لا يقعون فيه مرة آخري.
ذات مرة وعندما أعلن صاحب إحدى الشركات عن طلب شخص يعمل في وظيفية مدير تسويق ، وبعد نشر الإعلان تقدم له شاب ليشغل الوظيفية، وعندما سأله عن تاريخه وخبرات قال له تجربتي أكثر من (100 ) شركة فاشلة عملت بها ، من الوهلة الأولي قد تري أن صاحب العمل يري أنه غير مناسب لشغل الوظيفة، ولكن العكس هو الذي حدث، قبل صاحب العمل أن يشغل الشخص وظيفة مدير التسويق، وعندما سأله لماذا وافقت أن أشغل الوظيفية وأنت تعرف تاريخي في العمل، رد صاحب العمل قائلا كيف لا أقبل شخص يعرف أكثر من ( 100) تجربة خاطئة وفاشلة ، علي الأقل سأتجنب هذه التجارب إن حدثت في شركتي. هذه هي النظر الإبداعية لصاحب العمل، ربما يري شخص آخر أن هذا الشخص لا يصلح للوظيفة قد يكون محقا ، ولكن القدرة هنا في كيفية الاستفادة من الفشل لتحقيق النجاح.

الحاجة تؤدي دائما الإبداع:
كما نقول دائما الحاجة أم الاختراع ، وبالتالي الحاجات التي تفرضها علينا الحياة تفرض علينا ضرورة البحث عن الحلول و الأدوات التي تمكنا من تحقيق جودة الحياة، وهناك الكثير من القصص التي يحكيها الواقع لتحقيق لتثبت ذلك، فشركة نسلة والتي تعتبر من اكبر الشركات التي تعمل في مجال الأغذية والحليب المجفف، تلك الشركة التي أدخلت فكرة الحليب الجاف إلي السوق ولم يكن أحد يتوقع أن يكون هذا ، ولكن الواقع يحكي هذا النجاح وكيف أنها فتحت مجال لتجفيف الألبان ، والفكرة جاءت لصاحب الشركة قل أن تكون الشركة عندما كان ابن الجيران لا يرضع رضاعة طبيعية وكان يعاني بشكل كبير من سوء التغذية وكان صراخة طول الليل يسبب لهنري نسله إزعاجا كبيرا من هناك فكر في كيفية تجفيف حليب البقر ، وبعد محاولات نجح في تجفيفه وخلطة بدقيق القمح ومن هنا فتح الباب أمام عالم الألبان المجففه.
من هنا يتضح لنا أن الإبداع أحيانا تكون له عوامل ومحفزات خارجية يمكن من خلالها أن تظهر الأفكار الإبداعية التي يكون لها أثرا كبيرا في تطوير الحياة وتطوير المجتمع.

لكي تبدع لا تهتم بسخرية الآخرين:
من أكبر المعوقات في الإبداع هي الاهتمام بسخرية وانتقاد الآخرين، لأنهم لهم منظورهم الخاص في النظر لأشياء ، ولأنهم لم يعيشوا الفكرة من بداية ظهورها و حتي ولادتها من هنا لا تهتم بآرائهم المحبطة كثيرا طالما أنت واثق من أنك تفكر في الطريق الصحيح. هنري فورد عندما فكر في عمل مصنع لإنتاج السيارات ثار علية الكثيرون وحاول أصدقاؤه من منعه بناء هذا المصنع ، بحجة أن هذه الآلة قاتلة ولن يتركها الناس تسعي في الطرقات تحصد أرواحهم. وكيف لطرقات أمريكا الوعرة أن تسير بها هذه السيارات. لو استجاب هنري فورد لهذه الآراء ما كانت شركة فورد العملاقة لصناعة السيارات. ولكنه قال ستصبح أمريكا كلها سيارات تمشي علي الأرض. لم يهتم فورد بهذه الآراء لأنه رأي أنها غير منطقية وان هناك حاجة للتغير ومواكبة العصر، أراد هنري فورد أن يكون من قادة التغيير وقد كان.

أخيرا … هل أنت مبدع؟

من حقي ككاتب أن أسألك في نهاية هذه السطور إذا كنت قرأتها بتركيز وأبدعت فيما وراء السطور ، هل أنت مبدع؟! … سؤال صعب، أر ي هذه الأفكار تدور في ذهنك الآن وأنت تحاول تقليب الأفكار في راسك وتفكر في الإجابة فإما أن تقول نعم، وعندما تتمعن في الإجابة قد لا تري أن ما قدمته من أعمال فيه إبداع، أو تقول لا وهنا قد تتهم نفسك بأنك غير مفكر أو انك لا تمتلك مهارات الإبداع. علي كل حال أساعدك في الإجابة عن هذا السؤال ، الأمر بسيط كل إنسان لديه قدرات إبداعية ولكن القليل من الناس هم الذين يسعون لتوظيف هذه القدرات و تطوير أنفسهم ، فليس هناك شخص مبدع وآخر غير مبدع ، والإبداع لا يعتبر مسئولية أشخاص بعينهم يمتلكون مهارات الإبداع، كلنا مبدعون وكلنا مسئولون عن الإبداع، والقرآن الكريم في الكثير من الآيات يأمرنا بالتفكير و الإبداع من خلال النظر إلي الأشياء الموجودة حولنا والتفكر فيها ففي سورة الغاشية يقول الله تعالي ” أفلا ينظرون إلي الإبل كيف خلقت وإلي السماء كيف رفعت وإلي الجبال كيف نصبت وإلي الأرض كيف سطحت” ( آية: 17 – 20 ) . الفرق بسيط جدا ، الفرق في العقلية الجامدة التي تسير كالقطار علي القضبان دون أن تنظر إلي ما حولها، بدون النظر إلي ما حولك والتفكير فيه تكون بعيدا عن فرسان الإبداع.

Author: د. عبدالرحيم محمد عبدالرحيم

إستشاري التخطيط الإستراتيجي وقياس الأداء المؤسسي والتدريب

Share This Post On