مواقف إدارية … ورؤية فلسفية … الجزء الأول

مواقف إدارية ... ورؤية فلسفية


الجزء الأول

دكتور عبدالرحيم محمد

استشاري التخطيط لإستراتيجي وقياس الأداء المؤسسي

drabdo68@yahoo.com

" لا يمكننا أن نتبين ما يحاصرنا، ويسجننا أحيانا ويقودنا إلى نهايتنا، ولكن نستطيع أن نحس بهذه القيود وهذه الأسرار "

فان جوخ

مقدمة

علم الإدارة أو كما أسميه لحياة، فالحياة هي الإدارة ، وبدون لإدارة تتحول حياتنا إلي فوضى. والفوضى هي غياب النظام وعدم احترام القواعد، والبعد عن طريق النجاح وانتشار ثقافة اللامبالاة وعدم لإيمان برسالة ورؤية المؤسسة. يترتب على ذلك عدم القدرة على تحقيق الأهداف الذي يقودنا بدوره إلى مرحلة التلاشي وهى مرحلة الانهيار الفعلي للكيان التنظيمي، وبالتالي التأخر عن الركب، وببساطة الفرق بين التقدم والتأخر، وبين المتفوق والفاشل وبين الدول المتقدمة والدولة المتخلفة هي الإدارة، لأن الحياة بدون تخطيط وتنظيم وتوجيه ورقابة لا تساوي قيمتها، أحيانا يقول الكثيرين أننا خططنا ولكن فشلنا، هنا نقول أنك خططت للفشل، وإذا نظرا إلي حياتنا اليومية منذ الصباح وحتى المساء نجد أننا نمارس فيها أصول وقواعد الإدارة ولكن لا ندري أنها قواعد أساسية في الإدارة وأي منها التخطيط والتنظيم والتوجيه والرقابة وصناعة القرارات وغيرها من مكونات العملية الإدارية، ولكن بنظرة فاحصةومتخصصة نجد أننا منذ بداية حياتنا اليومية نخطط وننظم ونتخذ قرارات ، فعندما تستيقظ من النوم فإنك تتخذ القرار بأن تتوجه إلي الحمام لتتوضأ أو تغسل وجهك أو غير ذلك ، أيضا بعدها تأخذ قرارا أخر وهو الإفطار ثم ترتدي ملابسك ، ثم تستقل سيارتك وتذهب إلي الدوام وفي الدوام تضع الأولويات لبداية عملك ، وتوجه موظفيك أو العاملين معك . كل هذه هي الإدارة، عناصر وأنشطة تتضمنها العملية الإدارية. وعندما تمارس هذه الأنشطة وهذه الأعمال لا يتبادر إلى ذهنك أبدا أن هذه الجزئية تخطيط أو تنظيم أو غيرها، ولكنك تؤدى الشيء دون التفكير في كونه ماذا.

فأصول الإدارة بدأت بالملاحظة والتجربة و الخطأ، فردريك تايلور الذي وضع مبادىء الإدارة الحديثة لم يكن عالما في الإدارة ولا خبيرا بها، ولكنه كان مهندس في مصنع ولفت نظره أن هناك الكثير من الأشياء لو تم الاستغناء عنها أمكن زيادة الإنتاجية وتحقيق الأهداف، ومن هنا بدأ تجاربه مستعينا بأحد العمال ، وكان يحدد له حركات العمل ويغير من الحركات التي يتبعها في عملة ومن خلال الملاحظة وأسلوب الحركة والزمن استطاع أن يحدد الحركات غير الضرورية ، ومع تطبيق النظام الجديد كانت هناك نتائج إيجابية.

وعندما نتحدث عن علم الإدارة فهذا لا يعنى أن الإدارة علم حديث ، ولكنها ضاربة بجذورها أعماق التاريخ ، فهي كشجرة كبيرة متشبثة بالأرض شامخة في السماء واضحة للعيان ، أما التركيز الحالي على علم الإدارة والاهتمام بها بشكل كبير فهذا يعود إلي التطور الكبير الذي نشهده هذه الأيام، أيضا زاد الاهتمام بالإدارة ، منذ تحديد القواعد والأصول التي تنظمها وتنظم كيفية تطبيقها والتعامل معها، ولو عدنا إلي الوراء باستخدام ( الفلاش باك) كما يسمي في لغة السينما، ونظرنا للآثار الموجودة في كل مكان في العالم والتي مرت عليها آلاف السنين، وتسألنا لماذا هذه الآثار باقية حتى الآن؟، كيف تواجه عوامل التعرية والمتغيرات ومازالت صامدة، كيف تتحدى الظروف وكأنها بنيت الأمس؟، نجد أن السبب في ذلك هو التطبيق الجيد لعلم الإدارة. فجميع الحضارات التي قامت في العصور القديمة ومازالت حتى الآن اعتمدت بشكل رئيسي علي علم الإدارة.

علم الإدارة يرجع بجذوره إلي سنوات بعيدة مضت ، ضاربا بهذه الجذور إلي ما أبعد من حركة الإدارة العملية، ولكن فترة الإدارة العلمية هي الفترة التي وضعت فيها الأسس والمفاهيم العلمية التي تم الاتفاق عليها عالميا.

والسؤال الآن هل كل الإنجازات التي تمت في السابق لم يراع فيها أصول وقواعد الإدارة ، هل بناء الأهرامات المصرية ، و أثار العراق ، والهند والصين سوريا واليمن، والقلاع والحصون الموجودة بدولة قطر وغيرها لم تستخدم فيها أصول الإدارة؟، وإذا كان الأمر كذلك ما الذي جعل هذه الإنجازات.

تظل شاهدة علي التاريخ حتى يومنا هذا؟، أم أن هناك أساليب وقواعد أخري تم استخدامها في إنجاز هذه الأعمال الضخمة التي ما زلنا نراها واضحة أمام أعيننا؟، الحقيقة التي لا يمكن إغفالها أن هذه الإنجازات الضخمة قام بها أناس يدركون ويعلمون قواعد والإدارة ومبادئها ، وقاموا بتطبيقها ، وإذا كان غير ذلك، إذن كيف تم التخطيط والتنظيم، كيف تم تجميع وحشد الجهود القادرة علي إدارة هذه المنظومة، ما هي معايير الجودة التي تم إتباعها لكي تبقي هذه الإنجازات راسخة تتحدى الزمن ويحترمها التاريخ؟ بالتأكيد أن هناك قواعد وأدوات تم استخدامها في العمل وهى قواعد الإدارة.

التغيرات البسيطة تحدث فرقا

كان هناك شخصا يسير يوميا في وقت ما قبل الغروب على شاطئ البحر ولاحظ في اليوم الأول غلاما صغيرا يمسك بنجمة بحر ويلقها داخل الماء، وفي اليوم الثاني تكرر نفس المشهد ، وفي اليوم
الثالث أيضا حدث نفس التصرف، هنا سأل الرجل الغلام عن هذا التصرف وقال له لماذا تفعل ذلك رغم أن الموج سوف يعيدها وغيرها كل فترة ، أجاب الغلام لأن هذا سيصنع فارقا. هنا سأله الرجل ولكن هناك الكثير من نجوم ا لبحر على الشاطئ ما هو الفرق الذي سيحدث. واستمر الغلام في التقاط
واحدة أخري وألقاها في الماء، وقال " ذلك سيصنع فارقاً لتلك النجمة".هنا أدرك الكاتب أن التغيرات الصغيرة ستحدث فارقا كبيرا.

علينا هنا أن نغير في حياتنا وأوضاعنا وأعمالنا، لا يجب أن يتوارد إلى الذهن أنه لكي تغير لا بد أن تقوم بعمل أشياء كبيرة جدا، قد تكون غير قادر على فعلها، فقط قم بعمل تغيرات طفيفة قدر استطاعتك، هنا يمكن لك أن تحقق الكثير، قد تكون هذه التغيرات في طريقة تعاملك مع الموظفين ، فهما دائما في حاجة إليك ، سيكونوا سعداء عندما تتحدث إليهم، قد تكون التغيرات في محاولة إحداث الرضا الوظيفي ، في الواقع عناصره ومكوناته ومتطلبات تحقيقه كثيرة ، ولكن احد هذه المكونات هو رفع الروح المعنوية لدى العاملين والزملاء وهذه يمكن تحقيقها بكلمة طيبة أو السؤال عن الحال، أو حل مشكلة تواجه الموظف ، وحديثي فيما سبق لمدير المؤسسة ، وهذا لا يعني أن الأمر قاصر على المدير في إحداث التغيير، الحال ينطبق أيضا على الموظفين يمكنهم أيضا أن يحدثوا تغييرا يمكن أن يؤثر بشكل كبير في ثقافة المؤسسة والأداء وفي المدير أيضا، فالتغيير في بعض أساليب وطرق العمل وتحسين ا لأداء ولو بشيء بسيط يكون دافعا للفت نظر المدير نحو الموظفين ، فعلينا أن نحدث التغيير ، وعلينا أن نبدأ بأنفسنا فالتغيير سنه كونية ، والذي لا يتغير يموت

 

 

Author: د. عبدالرحيم محمد عبدالرحيم

إستشاري التخطيط الإستراتيجي وقياس الأداء المؤسسي والتدريب

Share This Post On