استراتيجية المحيط الأسود القيادة والتنافس في أسواق الفوضى وعدم اليقين
دكتور
عبدالرحيم محمد
عضو هيئة تدريب (منتدب) جامعة لوسيل
مستشار التخطيط الاستراتيجي وقياس الأداء المؤسسي
عندما ظهرت استراتيجية المحيط الأزرق (Blue Ocean Strategy) كانت دعوة للابتعاد عن المنافسة الدموية عبر خلق أسواق جديدة بلا منافسين. غير أن الواقع المعاصر ، المدفوع بالتقنية، الذكاء الاصطناعي، وسرعة التقليد، والعولمة الرقمية، وتغير سلوك المستهلك ، جعل المحيطات الزرقاء تتحول سريعا إلى ساحات مزدحمة.
في هذا السياق، يبرز مفهوم استراتيجية المحيط الأسود (Black Ocean Strategy) كتوصيف لبيئة تنافسية تتسم بالغموض الشديد (Ambiguity)، والتقلب السريع (Volatility)، وتغير القواعد باستمرار، وضبابية المنافس الحقيقي، وعدم استقرار تفضيلات العملاء، و اختراقات تقنية تغير قواعد اللعبة فجأة. وهي بيئة تتوافق مع ما تسميه الأدبيات الغربية بـ VUCA World (Volatility, Uncertainty, Complexity, Ambiguity).
تشير Harvard Business Review وعدة دراسات استراتيجية إلى أن الميزة التنافسية في هذه البيئات لم تعد قائمة على التمركز بل على القدرات الديناميكية Dynamic Capabilities: الاستشعار، التكيف، والتجريب السريع.
يتمثل جوهر استراتيجية المحيط الأسود في أن الشركة لا تفوز لأنها تمتلك أفضل خطة فقط، بل لأنها تمتلك أفضل نظام للاستشعار والتكيف والتجريب والتعلم المستمر. و بحسب Teece Dynamic Capabilities Theory وHBR، فإن الشركات الناجحة في البيئات الفوضوية تعتمد على ثلاث قدرات أساسية وهى استشعار التغيرات مبكرا Sensing ، واقتناص الفرص Seizing، و إعادة تشكيل نموذج الأعمال باستمرار Transforming وهذا يشكل الإطار النظري العميق لاستراتيجية المحيط الأسود.
وتتمثل مفاتيح النجاح في المحيط الأسود في عدة ركائز وهى:
(1) التحليل العميق والاستشعار الذكي (Deep Sensing)وتعتمد على التحول من التخطيط إلى الاستشعار المستمر . في المحيط الأسود، لا تكفي أبحاث السوق التقليدية ، ولكن الانتقال إلى تحليل البيانات الضخمة، والذكاء الاصطناعي للتنبؤ بالسلوك، والاستماع اللحظي لصوت العميل (Real-time customer sensing)، وتحليل الإشارات الضعيفة Weak Signals ( مثل تغير بسيط في سلوك العملاء، تقنية ناشئة، أو توجهات جديدة )
تركز هذه الجزئية على بناء Digital Sensing Systems، و دمج فرق البيانات والتسويق والابتكار، و مراقبة التغيرات السلوكية وليس فقط الحصص السوقية
وتعتبر Netflix أحد هذه الممارسات فهى لم تنتقل فقط للبث الرقمي، بل بنت أنظمة متقدمة لتحليل سلوك المشاهدة، ما مكنها من إنتاج محتوى مخصص، والقدرة على التنبؤ بالطلب، واختبار أنواع المحتوى قبل الاستثمار الضخم.
(2) السرعة والمرونة قبل الكمال (Agility over Perfection)، وهى الانتقال من التخطيط طويل الأجل إلى الاستجابة السريعة. وتشير دراسات Rutgers Business Review وHarvard إلى أن: الاستراتيجية في عالم VUCA )
هذه الجزئية تركز على إطلاق MVP (Minimum Viable Product)، تطوير المنتج بناء على الاستخدام الحقيقي، وتقليل دور اللجان الطويلة، وتفويض القرار قرب العميل.
يعتبر TikTok كنموذج عالمي كمثال على هذه الجزئية ، رغم أن TikTok شركة صينية، إلا أن الدراسات الغربية حول المنتجات الرقمية تؤكد أن النماذج الأولية السريعة، و التطوير بناء على سلوك المستخدم، و التحديث المستمر للخوارزميات هي جوهر التفوق في البيئات الفوضوية.
(3) إدارة السمعة والمصداقية (Reputation Shield)، السمعة كدرع استراتيجي في بيئة الشائعات، في المحيط الأسود، تنتشر الأخبار الزائفة، والشائعات الرقمية، والحملات المنظمة ضد العلامات التجارية. و تشير دراسات السمعة المؤسسية إلى أن السمعة أصبحت أصلا استراتيجيا يعادل رأس المال.
وتركز أفضل الممارسات على بناء Narrative واضح للعلامة، والتواصل الاستباقي، و الشفافية الرقمية، وإدارة الأزمات بالزمن الحقيقي
من الأمثلة على ذلك Tesla ، على الرغم من الجدل، فإن Tesla استفادت من قوة القصة (Storytelling)، (تعني استخدام سرد واضح ومؤثر لرؤية الشركة وقيمها وإنجازاتها وتحدياتها بطريقة إنسانية، تجعل الجمهور يفهم العلامة التجارية، يتفاعل معها عاطفيًا، ويتذكرها بسهولة، مما يعزز الثقة والتأثير والولاء ) و الحضور الإعلامي، و ربط العلامة بالابتكار والرؤية المستقبلية. ما خلق درعا نفسيا وإعلاميا يحمي العلامة في بيئة مضطربة. و تشير أبحاث HBR أن العلامات ذات الهوية القوية تصمد أكثر في البيئات الفوضوية.
(4) ثقافة التجريب المستمر (Experimentation Culture) وتركز على التحول من القرار الحدسي إلى القرار التجريبي، تؤكد الكتابات في هذا المجال في Harvard أن الشركات الرائدة (Amazon, Netflix, Microsoft) تجري آلاف التجارب سنويا.
وتركز أفضل الممارسات على تحويل كل مبادرة إلى فرضية، اختبارات A/B واسعة النطاق (تعني تجربة نسختين أو أكثر من نفس المنتج أو الخدمة أو الرسالة التسويقية على عدد كبير من المستخدمين في نفس الوقت، لمقارنة الأداء فعليا، واختيار النسخة التي تحقق أفضل نتائج بناء على بيانات حقيقية وليس التوقعات ) ، و مكافأة التعلم وليس فقط النجاح، و قبول الفشل السريع منخفض التكلفة
من الأمثلة على ذلك Amazon التي تعتمد على ثقافة الفشل السريع (تعني تشجيع المنظمة على تجربة الأفكار بسرعة وتكلفة منخفضة، واكتشاف ما لا ينجح مبكرا، ثم إيقافه أو تعديله فورا، بهدف التعلم السريع وتحسين القرارات بدل الاستمرار في مشاريع فاشلة تستهلك الوقت والموارد) ، و اختبار المنتجات مبكرا، إيقاف المشاريع غير الناجحة بسرعة، تشير دراسات HBR أن أكثر من 70–90% من التجارب تفشل ، لكن هذا هو مصدر التعلم والميزة التنافسية.
مما سبق يتضح أن استراتيجية المحيط الأسود لا تبحث عن “مكان بلا منافسين”، بل تبني منظمة ترى التغير قبل غيرها، و تتحرك تتعلم أسرع من غيرها، و تبني الثقة والسمعة في بيئة فوضوية، و تحول الفوضى من تهديد إلى مصدر ميزة تنافسية. في المحيط الأسود، لا ينجو الأقوى ولا الأذكى، بل الأسرع في التعلم والتكيف.
المقالة من هنا المحيط الأسود
