!مع إعتذاري للوقت

مع إعتذاري للوقت !

 دكتور

عبدالرحيم  محمد

إستشاري التخطيط الإستراتيجي وقياس الأداء المؤسسي

drabdo68@yahoo.com

في حقيقة الأمر إن قتلنا للوقت هو مجرد تعبير مقنع لواحدة من الطرق المتعددة التي يقتلنا الوقت بها “

سير أوسبيرت سيتويل

عبارة كثيراً ما نسمعها وهي أنني مشغولا جدا وليس لدي الوقت الكاف للقيام بكافة المهام الموكلة إلي،  وهي تشبه حكاية الحطاب الذي يمتلك فأساً غير مسنونة ، وكان يجتهد في تقطيع الأشجار ولكن فأسه لم يكن حاداً فمر به أحد الأشخاص فقال له : لماذا لا تشحذ فأسك ؟ فقال له الحطاب وهو منهمك في عمله : ألا ترى أني مشغول في عملي . هكذا الحال لا نفكر التفكير السليم في استخدام الأدوات التي نملكها في إدارة الوقت. إن شحذ الفأس للحطاب يساعده على إنجاز عمله بأسرع وقت وأقل جهد وسيتيح له الانتقال من شجرة لأخرى ، أيضا تنظيم الوقت يساعدك على إتمام  العمل  بشكل أسرع وعمل مرتب وجهد أقل .

وعندما نتحدث عن إدارة الوقت ، فنحن نتحدث عن شيء هو منظم فعلا ، فالدقيقة مقسمة 60 ثانية ، والساعة تساوي 60 دقيقة واليوم يساوي 24 ساعة وهكذا.

و تشير دراسة تم تنفيذها عام 1985  قام بها  Levine and Wolff    حول أهمية الوقت وحسن استخدامه وأهمية السرعة في إنجاز مهام الحياة اليومية ، وأظهرت النتائج في الشعوب التي درسها الباحثان أن اليابان تعد أكثر شعوب العالم حرصاً على الوقت وتقديراً له ، بينما تُعد إندونيسيا أكثر الشعوب المدروسة ميلاً إلى حب الفراغ أيضا هناك دراسة أخرى قام بها   Steers and Black عام 1994 تبين أن الموظف  الأمريكي يعمل سنوياً 1934 ساعة في المتوسط ، ويحصل على راحة قدرها 19.5 يوماً. بينما يعمل العامل في كوريا الجنوبية في المتوسط 2833 ساعة ويحصل على راحة قدرها 4.5  يوم . هذا ويعمل الفرد في اليابان في المتوسط لمدة2180 ساعة ويحصل على راحة قدرها  9.6 يوما سنوياً. ويرى الباحثان: إنه على الرغم من أن الموظف الأمريكي قد يعمل ساعات أكبر مقارنة بنظرائه في دول أوربا الغربية ، إلا أنه مقارنة بموظفي دول شرق آسيا يُعد مبالغاً في تكاسله .

ومن خصائص الوقت أنه ينقضي بسرعة ، فهو لا يتوقف ويسير بإستمرار إلى الأمام ، لا يمكن أن يتراجع ويتناقص ولا يزيد فكل دقيقة تمر لا يمكن للإنسان أن يسترجعها ، وهو مودر نادر يجب على الإنسان أن يحافظ عليه ويحسن إستغلاله. والوقت يمكن تحويله إلى مال من خلال إستغلاله في الأعمال إستغلال جيد، أيضا يمكن تحويله إلى شهره في أي مجال من المجالات ، يمكن تحويله إلى سلطه ، ولكن لا يمكن تحويل أي شيء إلى وقت .

وإذا إنتقلنا إلى القرآن والسنة في كثير من المواضع  هناك حث  على أهمية إدارة الوقت ففي الحديث ، عن أبي برزة الأسلمي رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  “لا تزول ققدما  عبد يومَ القيامةِ حتى يسأل  عن أربع  عن عمره  فيما أفناه وعن شبابه  فيما أبلاه وعن ماله من أين إكتسبه وفيما أنفقه وعن علمه ماذا عمل به”. ويعكس هذا الحديث أهمية الوقت ودوره في حياة الإنسان وأنه سوف يحاسب عليه يوم القيامه.

وإنطلاقا مما سبق قد يتضح لنا أن تطبيق أصول الإدارة ساهم بشكل كبير في كيفية إدارة الوقت ويجب على كل واحد منا أن يهتم بالإدارة أن يعلم جيدا أنها هي محور العمل في الحياه،  فعلى سبيل المثال احد أنواع الإدارة هي إدارة الوقت ، وإدارة الوقت احد العناصر الرئيسية التي تحدد  تقدم الأمم ونهضتها ومستقبلها، ولكن الكثيرون لا يهتمون بها ، فعدم الإهتمام بالوقت يؤثر بشكل سلبي على حياتنا وعلى أدائنا ، حتى على مستوى الحياة اليومية ، وتعرف إدارة الوقت بأنها  الطرق والوسائل التي تعين المرء على الاستفادة القصوى من وقته في تحقيق أهدافه وخلق التوازن في حياته ما بين الواجبات والرغبات والأهداف .

 وتشير الدراسة التي قام بها فورتينو للوقت عام 1980 على الشعب الأمريكى والتي  استمرت 20 عاما ، وتوصلت إلى  أن الإنسان  الذى يعيش لمدة 70 عاما يقضى 7 سنوات من عمره في الأكل و7 سنوات في الحمام ، و 5 سنين في الطوابير ، و3 سنوات في الإجتماعات، و8 شهور في فتح البريد و6 شهور في إشارات المرور ، وسنة كاملة في البحث عن أشياء مفقودة، و 4 دقائق مع الزوجة يوميا، و30 ثانية يوميا في الحديث مع الأطفال في المنزل، هذه الدراسة إجريت منذ أكثر من 30 عاما وكانت  الحياة مختلفة وأبسط من الآن، فماذا لو تم إجراء هذه الدراسة الآن ، حيث أصبحت الطوابير أكثر من السابق ، مشاغل الحياة  متنوعة ، والبريد الإلكتروني يضم آلاف الرسائل يوميا.

أيضا هناك دراسة أخرى تم تنفيذها عن الوقت في الولايات المتحدة الأمريكية وكانت نتائجها كما يلي 20 % فقط من وقت أي موظف تستغل في أعمال مهمة ، يقضي الموظف في المتوسط ساعتان في القراءة يوميا ، يقضي الموظف في المتوسط 40 دقيقة للوصول من  و إلى مكان العمل يوميا ، و 45 دقيقة في المتوسط  في البحث عن أوراق أو متعلقات خاصة بالعمل يوميا، كما أن  الموظف الذي يعمل في مكتب يتسم بالفوضى يقضى  90 دقيقة في البحث عن أغراض مفقودة يوميا، ويتعرض الموظف العادي كل 10 دقائق لمقاطعة (محادثة عادية أو تليفونية…). ويقضي 40 دقيقة في تحديد بأي المهام يبدأ.  أيضا يقضي الشخص العادي في المتوسط 28 ساعة أسبوعيا أمام التليفزيون. كما أن  الوصول المتأخر لمكان العمل 15 دقيقة يؤدي إلى ارتباك اليوم وضياع مالا يقل عن 90 دقيقة (أخرى).

وترجع أهمية إدارة الوقت إلى أنه ضروري جدا في تحديد وتحقيق أهدافنا ، وتحديد مناطق النجاح الرئيسية ، و التغلب على العقبات التي تمنعنا من أداء ما نريد تنفيذه. ومعرفة نقاط قوتنا ونقاط ضعفنا، و تحديد الأولويات لإنجاز أعمالنا بنجاح فى الوقت المحدد، و يعد الوقت أندر الموارد أو العناصر المتاحة للفرد وأثمنها على الإطلاق  ، كما أن الوقت هو العنصر الوحيد غير القابل لعملية الاسترجاع ، فمتى أنفق فلن يعود.

مثالا على أهمية الوقت ، إفترض أنك قمت من النوم متأخرا 10 دقائق عن الوقت الذي تستيقظ فيه ، فحدث لك نوع من الارتباك بسبب التأخير وقمت مسرعا وارتديت ملابسك سريعا ، وجلست وأنت في عجالة  تتناول طعام الإفطار وإبنتك أو ابنك الصغير يرتدي ملابس المدرسة ويجلس معك على نفس الطاولة ، وأنت تستعجله لينهي إفطاره لتأخذه في طريقك إلى المدرسة  ، وإذا به يحرك يده  يسكب كوب الشاي الذي أمامه على الطاولة وجزء منه يأتي على ملابسك نتيجة إستعجالك له أن ينهي إفطاره لأنك تأخرت عن الدوام ، تتعصب وتثور وتذهب إلى تغيير ملابسك وتتاخر اكثر فأكثر ، وتعود سريعا غاضبا على ابنك وتنهره فيبكي وتشده من زراعه سريعا إلى السيارة  لتوصيله إلى المدرسة في طريقك إلى العمل، أثناء ذهابك تسير بسرعة ، وتتجاوز السرعة المقررة وتسجل عليك مخالفة مرورية ، يزداد غضبك لهذا ، وصلت إلى المدرسة قلت لإبنك  بعنف إذهب سريعا بطريقة جافة لم يتعود عليها من قبل ، الولد صار يبكي تركته،  وانطلقت بسيارتك إلى الدوام ، نتيجة السرعة إصدمت بسيارة أخرى ، وانتظرت الشرطي حتى يأتي ليحرر المخالفة ، تأخرت أكثر عن الدوام ، وعند وصولك تم خصم الساعات التي تأخرتها ، أصبحت في حالة نفسية سيئة ، غاب عنك التركيز في العمل ، حدثت الكثير من الأخطاء ، لامك مديرك وزملائك، هذه القصة الطويلة بسبب تأخير عشرة دقائق عن المواعد المحدد الذي يجب أن تستيقظ فيه . كل هذه الآثار السلبية التي تعرضت لها بسبب غياب إدارة الوقت. هذه قصة صغيرة فما بالك بما يحدث يوميا لنا من إهدار للوقت وعدم الاهتمام به.

أيضا من الأموار التي  تجعلنا نهدر الوقت هي النظر إلى الأشياء وإعطائها أكثر من حقها، والتخيل بأن حل المشكلة يحتاج إلى جهد كبير في حين أن الحل قد يكون أمام أعيننا ولكننا نبحث عنها في كل مكان ونضيع فيها الكثير من الوقت والحل موجود امامنا ولا يحتاج إلا جزءا صغيرا من الوقت. والقصة التالية مثال على ذلك كان أحد سجناء لويس الرابع عشر محكوماً عليه بالإعدام ، ومسجوناً في جناح قلعة مطلة على جبل ، لم يبق على موعد إعدام السجين سوى ليلة واحدة ، ويروى عن لويس الرابع عشر ابتكاره لحيل وتصرفات غريبة ، وفي تلك الليلة فوجئ السّجين وهو في أشدّ حالات اليأس بباب الزنزانة يفتح ولويس يدخل عليه مع حراسه ليقول له : ” أعرف أن موعد إعدامك غداً لكنني سأعطيك فرصة إن نجحت في استغلالها فبإمكانك أن تنجو… هناك مخرج موجود في جناحك بدون حراسة فإن تمكنت من العثور عليه يمكنك عن طريقه الخروج ، وإلا غدا ومع بداية يوم جديد سينفذ فيك حكم  الإعدام . فأتمنى أن تجد هذا المخرج.

وتأكد السجين أن الإمبراطور جاد فيما يقوله ، وبعد مغادرته والحراس الزنزانه ، جلس السجين يفكر في كلام الإمبراطور ويقول أنا أعرفه جيدا أنه جاد وصادق ، وهذا أسلوبه المبتكر دائما في حل القضايا ، على أن أبدا الآن في الخروج والبحث عن المخرج. وبدات رحلة البحث وبدأ الأمل يظهر أمام السجين عندما اكتشف فتحة مغطّاة بسجادة بالية على الأرض داخل الزنزانه وعندما فتحها وجدها تؤدي إلى سلم يوصل إلى سرداب طويل ، والسرداب يؤدي إلى سلم آخر وظل يحاول ويتحرك ويسير مسرعا داخل هذا الطريق ، وكلما اقترب شم رائحة الهواء تأتي إليه وظل يصعد وستمر في الصعود حتى وجد نفسه في النهاية في برج القلعة ، البرج الشاهق ، وكاد يرى الأرض بصعوبة. ظل فترة في البرج حائرا يفكر ثم عاد حزينا إلى مكانه ، ويدور في ذهنه كلام الإمبراطور ، وإقتناعه به أنه يتحدث بصدق ، وعندما عاد إلى الزنزانة مرة أخرى وبعد انقضاء وقت طويل دون نتيجة أو الوصول إلى بارقة أمل ، وألقى بنفسه على الأرض فإذا بحجر تحت قدميه يتحرك ، هب واقفا وحرك الحجر حتى نقله من مكانه فإذا به يجد طريقا ضيقا بدأ يتحرك فيه بصعوبة واستمر يسير فيه كثيرا حتى سمع صوت الماء ، هنا تجدد الأمل وقال أنا على الطريق الصحيح ، فعلا أنا متأكد أن كلام الإمبراطور صدق وهو لا يكذب ، واستمر في السير حتى انتهى الطريق على حافة النهر ولكن كانت هناك نافذة مغلقة بشبكة حديدية ، و تبدد  الأمل وأندثرت الأحلام ، ورأى أن نهايته قادمة لا محالة ، وعاد من جديد إلى زنزانته ينتظر قدره  ونهايته ، فما هي إلا لحظات وتنتهي المهلة المحددة ويأتي الحراس لتنفيذ حكم الإعدام .

 بدأ يتفحص كل أركان الزنزانه ، بل بدأ يتحدث مع كل شيء موجود بها ، أين المخرج ، أكيد هناك مخرج من هذا المكان ، أنا متأكد من صدق الإمبراطور ، وظل يتفحص كل ركون في الزانزانه ولكن بلا فائدة.

قضى ليليته على هذا الحال ولكما فكر في حل باءت نتيجته بالفشل ، المشهد الأخير   مع بداية الصباح بدأت الشمس تلقي بأشعتها الذهبية على نافذة الزنزانة ، وبدأ الإحباط واليأس هما المسيطران عليه ، إنهارت قواه تأكد أن النهاية حتمية لا محالة. طرقات على باب الزنزانه والأمير والحراس يقفون على الباب ، يقول الإمبراطور أنت مازالت هنا ، كنت اتوقع أنك نجحت ، رد السجين قائلا:

كنت أتوقع أنّك كنت صادقاً معي  ، رد الإمبراطور : لقد كنت صادقاً . قال السجين  : لقد بحثت في كل شبر في هذا المكان لم أجد أبدا مخرجا كما أخبرتني ، رد الإمبراطور لقد أمرت الحراس أن يتركوا  باب الزنزانة مفتوحا.

المشكلة لدينا أننا دائماً نفكّر بالطّرق الصّعبة قبل أن نبدأ بالطّرق السّهلة ؟ لماذا نتصوّر أنّنا لا ننجح إلا بأصعب الوسائل مع أنّها قد تكون سبباً لفشلنا ؟ لماذا لا نفكر بشكل إبداعي يمكننا من النجاح بسهولة ويوفر علينا الكثير من الوقت ، دائما الحلول أمامنا ولكننا دائما ما نهملها ونبحث عنها بعيد، ونجد هذا في القرآن في سورة البقرة الآيه (185) ” ….  يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر…، وأقسم الله سبحانه  وتعالى في سور كثيرة من القرآن بالوقت ، فنجد هذا في سورة العصر ” والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر )، وفي سورة الفجر ”  والفجر وليال عشر والشفع والوتر والليل إذا يسر) الفجر  (1-4).  وهناك الكثير من الآيات في القرآن الكريم التي تبين أهمية الوقت في حياتنا. ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم يسروا ولا تعسروا . فعلينا دائما أن نفكر بطرق غير تقليدية للوصول إلى نتائج غير تقليدية.

من مضيعات الوقت والفشل في إداراته عدم  الاستعداد المسبق للأمور التي نقوم بها ، والإنتظار طويلا والعمل في اللحظات الأخيرة ، وهذه قضية كبيرة تواجه  الكثيرين ، فهناك أشخاص لا يتحركون إلا قبل البداية بقليل مع أنهم يعلمون أن الموقف  سوف يكون قبل ذلك بكثير ، فهناك أحداث كثيرة تكون متوقعه ومعروفة  ويمكن الاستعداد لها مسبقا ولكن لا  يتحرك البعض إلا قبلها بلحظات ، وبالتالي ضياع الوقت وضعف النتائج المتحققة ، نتيجة العمل تحت ضغط والمواجهة السريعة للأمور ، وهناك قصة تتعلق بهذا الموضوع ، منذ سنوات عدة كان لأحد ملاك الأرض الزراعية مزرعة تقع بجوار الشاطئ ,  وكان كثيراً ما يعلن عن حاجته لعمال ، ولكن معظم الناس كانوا يترددون  في قبول العمل في مزرعة بجوار الشاطئ ، لأنهم كانوا يخشون العواصف التي كانت تأتي عبر البحر الهائج الأمواج  و تصب الدمار على المباني والمحاصيل . ولذلك عندما كان المالك يجري مقابلات لاٍختيار متقدمين للعمل ،  كان يواجه في النهاية برفضهم العمل . وأخيراً اقترب رجل قصير ونحيف ، متوسط العمر للمالك .. فقال له المالك :” هل أنت  تجيد العمل في مجال الزراعة ؟

” فأجاب الرجل نحيف الجسم قائلا : ” نعم فأنا الذي ينام عندما تعصف الرياح ! “

ومع أن مالك المزرعة تحيّر من هذه الإجابة ولم يفهمها إلا انه نتيجة لعدم وجود من يرغب في العمل قبله للعمل في مزرعته . أخذ الرجل النحيف يعمل عملا جيداً في المزرعة ، وكان طيلة الوقت مشغولا من الفجر وحتى غروب الشمس ، وأحس المالك بالرضا عن عمل الرجل النحيف . وفي إحدى الليالي جاءت الرياح عاصفة من ناحية الشاطئ ، فقفز المالك منزعجاً من الفراش ، ثم اٍندفع بسرعة إلى الحجرة التي ينام فيها الرجل النحيف الذي عينه للعمل عنده في المزرعة ثمّ راح يهز  الرجل النحيف وهو يصرخ بصوت عال :” اٍستيقظ فهناك عاصفة ، قم وثبت كل شيء واربطه قبل أن تطيّره الرياح ” .
اٍستدار الرجل صغير الحجم مبتعداً في فراشه وقال في حزم: ” لا يا سيّدي فقد سبق وقلت لك أنا الذي ينام عندما تعصف الرياح ! “

اٍستشاط المالك غضبا من ردة فعل الرجل ، و خطر له أن يطلق عليه النار في التو واللحظة ولكنه بدلا من  أن يضيع الوقت خرج عاجلا خارج المنزل ليستعد لمجابهة العاصفة ولدهشته اٍكتشف أن كل الحظائر مغطاة بمشمعات .. والبقر في الحظيرة ،
والطيور في أعشاشها ، والأبواب عليها أسياخ حديدية وجميع النوافذ محكمة الإغلاق، وكل شيء مربوط جيداً ولا شيء يمكن أن يطير … وحينذاك فهم المالك ما الذي كان يعنيه الرجل العامل لديه ثم عاد إلى فراشه لينام بينما الرياح تعصف .
هذا الرجل إستطاع أن يدير وقته بكفاءة ، لأنه توقع الأحداث واستعد لها ولم يصبر حتى يقع الحدث ، وبالتالي علينا الاستعداد لما يمكن أن يحدث في المستقبل من  اليوم لأن صناعة المستقبل تبدأ من هذه اللحظة وليس عندما تصل للمستقبل ، لأنك لا يمكن أن تصل إلى هناك إلا إذا أدرت وقتك من هنا.

أيضا من مشكلاتنا في التعامل مع الوقت هو التقليل من قيمة الشيء ، وأن الشيء سهل إنجازه ويمكن تأجيله لأي وقت ، هذا الاتجاه يسبب الكثير من المشكلات والضياع للوقت، وذلك لإعتقادنا أن كل شيء يسير بطريقة واحدة ولكن هذا غير صحيح فهناك الكثير من التغيير الذي يمكن أن يحدث ويغير الأمور بعيدا عن نصابها،  وهناك قصة السلحفاة والأرنب ، غالباً ما كنا نشاهدها في أفلام الكرتون وهي تحكي سباق بين السلحفاة والأرنب وعندما بدأ السباق جرى الأرنب وزحفت السلحفاة  وعندما وصل الأرنب إلى ما قبل خط النهاية قال أجلس هنا لأستريح حتى تأتي السلحفاة ثم أقوم وأسبقها وأفوز .. فنام الأرنب .. والسلحفاة لا زالت تزحف .. زحفت وزحفت .. حتى وصلت مكان الأرنب .. تركته وهو يغط في نوم عميق .. زحفت حتى وصلت خط النهاية .. قام الأرنب فزعاً جرى ليسبقها لكن .. بعد فوات الأوان . هذا حال من يهون من الأمور ويتساهل في الوقت وعدم  الاهتمام به. يظل نائما و يسبقه الآخرون وفي النهاية ينعي حظه قبل أن يصل إلى خط النهاية.

ولكن ما هو المحور الرئيسي لتحقيق النجاح في إدارة الوقت ، يمكن أن نتعرف عليه من هذه القصة التي نسمعها كثيرا ، ويحكيها البعض على سبيل المزاح ، وهي قصة اثنين من العمال أرسلتهما الشركة التي يعملون بها لإصلاح سطح إحدى البنايات، وعندما دخلا البناية وجدا أن المصعد معطل ، ونتيجة رغبتهما في العمل وحرصهما الشديد على تنفيذ المهمة في الوقت المحدد ، قررا صعود السلم للوصل إلى سطح البناية مع  العلم انها تتكون من ما يزيد عن 30 طابقا، صعدا وهما يحملان معدات الإصلاح ، وعند النهاية قال احدهما لصاحبة وهو يلهث لدي خبران لك أحدهما سار والآخر حزين ، قال صاحبه أخبرني بالسار حتى يهون علينا تعبنا، قال له لقد وصلنا إلى سطح البناية، قال الحمد لله ، إذاً ما هو الخبر السيئ ، قال له لقد دخلنا البناية الخطأ.

يتضح لنا هنا أنهما لم يحددا الهدف بدقة ، ترتب على ذلك ضياع الوقت دون مقابل، وبالتالي يجب علينا أن نعرف ماذا نريد وإلى أين نتجه حتى ننظم الوقت بطريقة صحيحة.

لكى تنظم وقتك فأنت في حاجة إلى:

ضع خطة أسبوعية لأعمالك ، تحديد قائمة بالأولويات ، لا تضع أكثر من قائمة (صغيرة) ، اكتب كل نشاطاتك في القائمة ، قسم وقتك على مهامك حسب الأولوية       ( قاعدة 80/20) ، ضع الأنشطة المتشابهة والمتوازية مع بعضها ، خصص لكل مهمة وقت محددا لإنجازها والانتهاء منها. صنف الوقت إلى أربعة أنواع:

  • وقت الإبداع Creative time  وهو الوقت الذي ينفق في التخطيط المستقبلي   للتوصل إلى أفكار جيدة لصناعة المستقبل.
  • وقت الإعداد Preparatory Time  وهو الوقت الذي ينفق للقيام بأنشطة معينة مثل جميع البيانات .
  • الوقت المنتج Productive Time وهو الوقت المستخدم فعليا في التنفيذ وتحقيق النتائج.
  • الوقت العمومي Overhead Time  وهو الوقت المستخدم في المهام والأعمال الروتينية.

 

يجب أن تعلم أن :

  • أن الإدارة الصحيحة لوقتك تضيف إلى حياتك ساعات أطول إذا أحسنت استغلال الأوقات الضائعة في حياتك.
  • أن إضافة 15 دقيقة كل يوم تعني إضافة 13 يوم عمل كل عام .
  • أن إضافة 30 دقيقة كل يوم تعني إضافة 26يوم عمل كل عام .
  • أن هذا يُعادل شهراَ جديداَ من العمل كل عام .

ويجب أن تتذكر دائما أن:

  • الواجبات دائماً أكثر من الأوقات.
  • أنت لا تملك أكثر من 24ساعة يومياً.
  • أن المهام المفتوحة لا تنتهي أبداً.
  • فتت المهام الصعبة والكبيرة.

مما سبق يتضح لنا أن الوقت جزء مهم من حياتنا ، ويحتاج أن نهتم به كثيرا لأن الوقت هو الحياه ، ولأن الوقت سيحاسب عليه الإنسان يوم  القيامة ، وهنا الحكمة القائلة الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك ، ويقول الشاعر: دقات قلب المرأ قائلة له إن الحياة دقائق وثوان . فالحياة كلها وقت ، ويجب أن يعلم الإنسان أن  كل ما يمر من الوقت لا يعود ، وأن الإنسان بطبيعته عندما يولد يبدأ عمره في التناقص ، ويقلل يوماً بعد يوم حتى يغادر الحياة ، وهنا تكون النتيجة ، وهنا يظهر الفرق بين إنسان وآخر ، فالشخص الذي استغل وقته وأداره  بطريقة جيدة سيترك شيئا يتذكره ا لناس ويضيف للآخرين ، أما من أهدر وقته فلن يترك شيئا ولا يتذكره أحد.

فعليا أن نتذكر دائماً أهمية الوقت ودوره في نجاح الإنسان ، فالأمم المتقدمة هي الأمم التي تهتم كثيرا بالوقت ، وتنظيمه وتحاول أن تستفيد منه بكافة الطرق ، الفرق بين الناجح والفاشل هو الوقت ، الفرق بين التميز وعدم التميز هو الوقت.  فنحن في حاجة للتعامل مع الوقت بطريقة أفضل.

 

وبعملية حسابية صغيرة إجلس مع نفسك ، حدد عدد الدقائق التي قضيتها في الأكل والشراب ، والجلوس أمام التليفزيون ، والطريق من وإلى العمل ، والساعات التي تقضيها في العمل ، والتي تقضيها مع الأسرة ، وساعات النوم ، وساعات الرياضة وغيرها من أجزاء اليوم وما تقوم به من أعمال ، وحدد أي من هذه الأوقات يستخدم في تحقيق الإنجاز ، وحدد كم نسبته المئوية ، هنا تتضح أمامك الصورة ، وتعرف هل أنت فعلا تدير وقت بكفاءة أم أنك في حاجة إلى إعادة النظر في توزيع وقتك على مدار اليوم.

وفي النهاية أقدم إعتذاري للوقت لأنني طيلة السطور السابقة أتحدث عن تنظيمه وإدارته ، أتحدث عن شيء هو منظم فعلا ، فأتمنى أن نكون مثله.

 

 .

مع إعتذاري للوقت !

” في حقيقة الأمر إن قتلنا للوقت هو مجرد تعبير مقنع لواحدة من الطرق المتعددة التي يقتلنا الوقت بها “

سير أوسبيرت سيتويل

عبارة كثيراً ما نسمعها وهي أنني مشغولا جدا وليس لدي الوقت الكاف للقيام بكافة المهام الموكلة إلي،  وهي تشبه حكاية الحطاب الذي يمتلك فأساً غير مسنونة ، وكان يجتهد في تقطيع الأشجار ولكن فأسه لم يكن حاداً فمر به أحد الأشخاص فقال له : لماذا لا تشحذ فأسك ؟ فقال له الحطاب وهو منهمك في عمله : ألا ترى أني مشغول في عملي . هكذا الحال لا نفكر التفكير السليم في استخدام الأدوات التي نملكها في إدارة الوقت. إن شحذ الفأس للحطاب يساعده على إنجاز عمله بأسرع وقت وأقل جهد وسيتيح له الانتقال من شجرة لأخرى ، أيضا تنظيم الوقت يساعدك على إتمام  العمل  بشكل أسرع وعمل مرتب وجهد أقل .

وعندما نتحدث عن إدارة الوقت ، فنحن نتحدث عن شيء هو منظم فعلا ، فالدقيقة مقسمة 60 ثانية ، والساعة تساوي 60 دقيقة واليوم يساوي 24 ساعة وهكذا.

و تشير دراسة تم تنفيذها عام 1985  قام بها  Levine and Wolff    حول أهمية الوقت وحسن استخدامه وأهمية السرعة في إنجاز مهام الحياة اليومية ، وأظهرت النتائج في الشعوب التي درسها الباحثان أن اليابان تعد أكثر شعوب العالم حرصاً على الوقت وتقديراً له ، بينما تُعد إندونيسيا أكثر الشعوب المدروسة ميلاً إلى حب الفراغ أيضا هناك دراسة أخرى قام بها   Steers and Black عام 1994 تبين أن الموظف  الأمريكي يعمل سنوياً 1934 ساعة في المتوسط ، ويحصل على راحة قدرها 19.5 يوماً. بينما يعمل العامل في كوريا الجنوبية في المتوسط 2833 ساعة ويحصل على راحة قدرها 4.5  يوم . هذا ويعمل الفرد في اليابان في المتوسط لمدة2180 ساعة ويحصل على راحة قدرها  9.6 يوما سنوياً. ويرى الباحثان: إنه على الرغم من أن الموظف الأمريكي قد يعمل ساعات أكبر مقارنة بنظرائه في دول أوربا الغربية ، إلا أنه مقارنة بموظفي دول شرق آسيا يُعد مبالغاً في تكاسله .

ومن خصائص الوقت أنه ينقضي بسرعة ، فهو لا يتوقف ويسير بإستمرار إلى الأمام ، لا يمكن أن يتراجع ويتناقص ولا يزيد فكل دقيقة تمر لا يمكن للإنسان أن يسترجعها ، وهو مودر نادر يجب على الإنسان أن يحافظ عليه ويحسن إستغلاله. والوقت يمكن تحويله إلى مال من خلال إستغلاله في الأعمال إستغلال جيد، أيضا يمكن تحويله إلى شهره في أي مجال من المجالات ، يمكن تحويله إلى سلطه ، ولكن لا يمكن تحويل أي شيء إلى وقت .

وإذا إنتقلنا إلى القرآن والسنة في كثير من المواضع  هناك حث  على أهمية إدارة الوقت ففي الحديث ، عن أبي برزة الأسلمي رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  “لا تزول ققدما  عبد يومَ القيامةِ حتى يسأل  عن أربع  عن عمره  فيما أفناه وعن شبابه  فيما أبلاه وعن ماله من أين إكتسبه وفيما أنفقه وعن علمه ماذا عمل به”. ويعكس هذا الحديث أهمية الوقت ودوره في حياة الإنسان وأنه سوف يحاسب عليه يوم القيامه.

وإنطلاقا مما سبق قد يتضح لنا أن تطبيق أصول الإدارة ساهم بشكل كبير في كيفية إدارة الوقت ويجب على كل واحد منا أن يهتم بالإدارة أن يعلم جيدا أنها هي محور العمل في الحياه،  فعلى سبيل المثال احد أنواع الإدارة هي إدارة الوقت ، وإدارة الوقت احد العناصر الرئيسية التي تحدد  تقدم الأمم ونهضتها ومستقبلها، ولكن الكثيرون لا يهتمون بها ، فعدم الإهتمام بالوقت يؤثر بشكل سلبي على حياتنا وعلى أدائنا ، حتى على مستوى الحياة اليومية ، وتعرف إدارة الوقت بأنها  الطرق والوسائل التي تعين المرء على الاستفادة القصوى من وقته في تحقيق أهدافه وخلق التوازن في حياته ما بين الواجبات والرغبات والأهداف .

 وتشير الدراسة التي قام بها فورتينو للوقت عام 1980 على الشعب الأمريكى والتي  استمرت 20 عاما ، وتوصلت إلى  أن الإنسان  الذى يعيش لمدة 70 عاما يقضى 7 سنوات من عمره في الأكل و7 سنوات في الحمام ، و 5 سنين في الطوابير ، و3 سنوات في الإجتماعات، و8 شهور في فتح البريد و6 شهور في إشارات المرور ، وسنة كاملة في البحث عن أشياء مفقودة، و 4 دقائق مع الزوجة يوميا، و30 ثانية يوميا في الحديث مع الأطفال في المنزل، هذه الدراسة إجريت منذ أكثر من 30 عاما وكانت  الحياة مختلفة وأبسط من الآن، فماذا لو تم إجراء هذه الدراسة الآن ، حيث أصبحت الطوابير أكثر من السابق ، مشاغل الحياة  متنوعة ، والبريد الإلكتروني يضم آلاف الرسائل يوميا.

أيضا هناك دراسة أخرى تم تنفيذها عن الوقت في الولايات المتحدة الأمريكية وكانت نتائجها كما يلي 20 % فقط من وقت أي موظف تستغل في أعمال مهمة ، يقضي الموظف في المتوسط ساعتان في القراءة يوميا ، يقضي الموظف في المتوسط 40 دقيقة للوصول من  و إلى مكان العمل يوميا ، و 45 دقيقة في المتوسط  في البحث عن أوراق أو متعلقات خاصة بالعمل يوميا، كما أن  الموظف الذي يعمل في مكتب يتسم بالفوضى يقضى  90 دقيقة في البحث عن أغراض مفقودة يوميا، ويتعرض الموظف العادي كل 10 دقائق لمقاطعة (محادثة عادية أو تليفونية…). ويقضي 40 دقيقة في تحديد بأي المهام يبدأ.  أيضا يقضي الشخص العادي في المتوسط 28 ساعة أسبوعيا أمام التليفزيون. كما أن  الوصول المتأخر لمكان العمل 15 دقيقة يؤدي إلى ارتباك اليوم وضياع مالا يقل عن 90 دقيقة (أخرى).

وترجع أهمية إدارة الوقت إلى أنه ضروري جدا في تحديد وتحقيق أهدافنا ، وتحديد مناطق النجاح الرئيسية ، و التغلب على العقبات التي تمنعنا من أداء ما نريد تنفيذه. ومعرفة نقاط قوتنا ونقاط ضعفنا، و تحديد الأولويات لإنجاز أعمالنا بنجاح فى الوقت المحدد، و يعد الوقت أندر الموارد أو العناصر المتاحة للفرد وأثمنها على الإطلاق  ، كما أن الوقت هو العنصر الوحيد غير القابل لعملية الاسترجاع ، فمتى أنفق فلن يعود.

مثالا على أهمية الوقت ، إفترض أنك قمت من النوم متأخرا 10 دقائق عن الوقت الذي تستيقظ فيه ، فحدث لك نوع من الارتباك بسبب التأخير وقمت مسرعا وارتديت ملابسك سريعا ، وجلست وأنت في عجالة  تتناول طعام الإفطار وإبنتك أو ابنك الصغير يرتدي ملابس المدرسة ويجلس معك على نفس الطاولة ، وأنت تستعجله لينهي إفطاره لتأخذه في طريقك إلى المدرسة  ، وإذا به يحرك يده  يسكب كوب الشاي الذي أمامه على الطاولة وجزء منه يأتي على ملابسك نتيجة إستعجالك له أن ينهي إفطاره لأنك تأخرت عن الدوام ، تتعصب وتثور وتذهب إلى تغيير ملابسك وتتاخر اكثر فأكثر ، وتعود سريعا غاضبا على ابنك وتنهره فيبكي وتشده من زراعه سريعا إلى السيارة  لتوصيله إلى المدرسة في طريقك إلى العمل، أثناء ذهابك تسير بسرعة ، وتتجاوز السرعة المقررة وتسجل عليك مخالفة مرورية ، يزداد غضبك لهذا ، وصلت إلى المدرسة قلت لإبنك  بعنف إذهب سريعا بطريقة جافة لم يتعود عليها من قبل ، الولد صار يبكي تركته،  وانطلقت بسيارتك إلى الدوام ، نتيجة السرعة إصدمت بسيارة أخرى ، وانتظرت الشرطي حتى يأتي ليحرر المخالفة ، تأخرت أكثر عن الدوام ، وعند وصولك تم خصم الساعات التي تأخرتها ، أصبحت في حالة نفسية سيئة ، غاب عنك التركيز في العمل ، حدثت الكثير من الأخطاء ، لامك مديرك وزملائك، هذه القصة الطويلة بسبب تأخير عشرة دقائق عن المواعد المحدد الذي يجب أن تستيقظ فيه . كل هذه الآثار السلبية التي تعرضت لها بسبب غياب إدارة الوقت. هذه قصة صغيرة فما بالك بما يحدث يوميا لنا من إهدار للوقت وعدم الاهتمام به.

أيضا من الأموار التي  تجعلنا نهدر الوقت هي النظر إلى الأشياء وإعطائها أكثر من حقها، والتخيل بأن حل المشكلة يحتاج إلى جهد كبير في حين أن الحل قد يكون أمام أعيننا ولكننا نبحث عنها في كل مكان ونضيع فيها الكثير من الوقت والحل موجود امامنا ولا يحتاج إلا جزءا صغيرا من الوقت. والقصة التالية مثال على ذلك كان أحد سجناء لويس الرابع عشر محكوماً عليه بالإعدام ، ومسجوناً في جناح قلعة مطلة على جبل ، لم يبق على موعد إعدام السجين سوى ليلة واحدة ، ويروى عن لويس الرابع عشر ابتكاره لحيل وتصرفات غريبة ، وفي تلك الليلة فوجئ السّجين وهو في أشدّ حالات اليأس بباب الزنزانة يفتح ولويس يدخل عليه مع حراسه ليقول له : ” أعرف أن موعد إعدامك غداً لكنني سأعطيك فرصة إن نجحت في استغلالها فبإمكانك أن تنجو… هناك مخرج موجود في جناحك بدون حراسة فإن تمكنت من العثور عليه يمكنك عن طريقه الخروج ، وإلا غدا ومع بداية يوم جديد سينفذ فيك حكم  الإعدام . فأتمنى أن تجد هذا المخرج.

وتأكد السجين أن الإمبراطور جاد فيما يقوله ، وبعد مغادرته والحراس الزنزانه ، جلس السجين يفكر في كلام الإمبراطور ويقول أنا أعرفه جيدا أنه جاد وصادق ، وهذا أسلوبه المبتكر دائما في حل القضايا ، على أن أبدا الآن في الخروج والبحث عن المخرج. وبدات رحلة البحث وبدأ الأمل يظهر أمام السجين عندما اكتشف فتحة مغطّاة بسجادة بالية على الأرض داخل الزنزانه وعندما فتحها وجدها تؤدي إلى سلم يوصل إلى سرداب طويل ، والسرداب يؤدي إلى سلم آخر وظل يحاول ويتحرك ويسير مسرعا داخل هذا الطريق ، وكلما اقترب شم رائحة الهواء تأتي إليه وظل يصعد وستمر في الصعود حتى وجد نفسه في النهاية في برج القلعة ، البرج الشاهق ، وكاد يرى الأرض بصعوبة. ظل فترة في البرج حائرا يفكر ثم عاد حزينا إلى مكانه ، ويدور في ذهنه كلام الإمبراطور ، وإقتناعه به أنه يتحدث بصدق ، وعندما عاد إلى الزنزانة مرة أخرى وبعد انقضاء وقت طويل دون نتيجة أو الوصول إلى بارقة أمل ، وألقى بنفسه على الأرض فإذا بحجر تحت قدميه يتحرك ، هب واقفا وحرك الحجر حتى نقله من مكانه فإذا به يجد طريقا ضيقا بدأ يتحرك فيه بصعوبة واستمر يسير فيه كثيرا حتى سمع صوت الماء ، هنا تجدد الأمل وقال أنا على الطريق الصحيح ، فعلا أنا متأكد أن كلام الإمبراطور صدق وهو لا يكذب ، واستمر في السير حتى انتهى الطريق على حافة النهر ولكن كانت هناك نافذة مغلقة بشبكة حديدية ، و تبدد  الأمل وأندثرت الأحلام ، ورأى أن نهايته قادمة لا محالة ، وعاد من جديد إلى زنزانته ينتظر قدره  ونهايته ، فما هي إلا لحظات وتنتهي المهلة المحددة ويأتي الحراس لتنفيذ حكم الإعدام .

 بدأ يتفحص كل أركان الزنزانه ، بل بدأ يتحدث مع كل شيء موجود بها ، أين المخرج ، أكيد هناك مخرج من هذا المكان ، أنا متأكد من صدق الإمبراطور ، وظل يتفحص كل ركون في الزانزانه ولكن بلا فائدة.

قضى ليليته على هذا الحال ولكما فكر في حل باءت نتيجته بالفشل ، المشهد الأخير   مع بداية الصباح بدأت الشمس تلقي بأشعتها الذهبية على نافذة الزنزانة ، وبدأ الإحباط واليأس هما المسيطران عليه ، إنهارت قواه تأكد أن النهاية حتمية لا محالة. طرقات على باب الزنزانه والأمير والحراس يقفون على الباب ، يقول الإمبراطور أنت مازالت هنا ، كنت اتوقع أنك نجحت ، رد السجين قائلا:

كنت أتوقع أنّك كنت صادقاً معي  ، رد الإمبراطور : لقد كنت صادقاً . قال السجين  : لقد بحثت في كل شبر في هذا المكان لم أجد أبدا مخرجا كما أخبرتني ، رد الإمبراطور لقد أمرت الحراس أن يتركوا  باب الزنزانة مفتوحا.

المشكلة لدينا أننا دائماً نفكّر بالطّرق الصّعبة قبل أن نبدأ بالطّرق السّهلة ؟ لماذا نتصوّر أنّنا لا ننجح إلا بأصعب الوسائل مع أنّها قد تكون سبباً لفشلنا ؟ لماذا لا نفكر بشكل إبداعي يمكننا من النجاح بسهولة ويوفر علينا الكثير من الوقت ، دائما الحلول أمامنا ولكننا دائما ما نهملها ونبحث عنها بعيد، ونجد هذا في القرآن في سورة البقرة الآيه (185) ” ….  يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر…، وأقسم الله سبحانه  وتعالى في سور كثيرة من القرآن بالوقت ، فنجد هذا في سورة العصر ” والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر )، وفي سورة الفجر ”  والفجر وليال عشر والشفع والوتر والليل إذا يسر) الفجر  (1-4).  وهناك الكثير من الآيات في القرآن الكريم التي تبين أهمية الوقت في حياتنا. ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم يسروا ولا تعسروا . فعلينا دائما أن نفكر بطرق غير تقليدية للوصول إلى نتائج غير تقليدية.

من مضيعات الوقت والفشل في إداراته عدم  الاستعداد المسبق للأمور التي نقوم بها ، والإنتظار طويلا والعمل في اللحظات الأخيرة ، وهذه قضية كبيرة تواجه  الكثيرين ، فهناك أشخاص لا يتحركون إلا قبل البداية بقليل مع أنهم يعلمون أن الموقف  سوف يكون قبل ذلك بكثير ، فهناك أحداث كثيرة تكون متوقعه ومعروفة  ويمكن الاستعداد لها مسبقا ولكن لا  يتحرك البعض إلا قبلها بلحظات ، وبالتالي ضياع الوقت وضعف النتائج المتحققة ، نتيجة العمل تحت ضغط والمواجهة السريعة للأمور ، وهناك قصة تتعلق بهذا الموضوع ، منذ سنوات عدة كان لأحد ملاك الأرض الزراعية مزرعة تقع بجوار الشاطئ ,  وكان كثيراً ما يعلن عن حاجته لعمال ، ولكن معظم الناس كانوا يترددون  في قبول العمل في مزرعة بجوار الشاطئ ، لأنهم كانوا يخشون العواصف التي كانت تأتي عبر البحر الهائج الأمواج  و تصب الدمار على المباني والمحاصيل . ولذلك عندما كان المالك يجري مقابلات لاٍختيار متقدمين للعمل ،  كان يواجه في النهاية برفضهم العمل . وأخيراً اقترب رجل قصير ونحيف ، متوسط العمر للمالك .. فقال له المالك :” هل أنت  تجيد العمل في مجال الزراعة ؟

” فأجاب الرجل نحيف الجسم قائلا : ” نعم فأنا الذي ينام عندما تعصف الرياح ! “

ومع أن مالك المزرعة تحيّر من هذه الإجابة ولم يفهمها إلا انه نتيجة لعدم وجود من يرغب في العمل قبله للعمل في مزرعته . أخذ الرجل النحيف يعمل عملا جيداً في المزرعة ، وكان طيلة الوقت مشغولا من الفجر وحتى غروب الشمس ، وأحس المالك بالرضا عن عمل الرجل النحيف . وفي إحدى الليالي جاءت الرياح عاصفة من ناحية الشاطئ ، فقفز المالك منزعجاً من الفراش ، ثم اٍندفع بسرعة إلى الحجرة التي ينام فيها الرجل النحيف الذي عينه للعمل عنده في المزرعة ثمّ راح يهز  الرجل النحيف وهو يصرخ بصوت عال :” اٍستيقظ فهناك عاصفة ، قم وثبت كل شيء واربطه قبل أن تطيّره الرياح ” .
اٍستدار الرجل صغير الحجم مبتعداً في فراشه وقال في حزم: ” لا يا سيّدي فقد سبق وقلت لك أنا الذي ينام عندما تعصف الرياح ! “

اٍستشاط المالك غضبا من ردة فعل الرجل ، و خطر له أن يطلق عليه النار في التو واللحظة ولكنه بدلا من  أن يضيع الوقت خرج عاجلا خارج المنزل ليستعد لمجابهة العاصفة ولدهشته اٍكتشف أن كل الحظائر مغطاة بمشمعات .. والبقر في الحظيرة ،
والطيور في أعشاشها ، والأبواب عليها أسياخ حديدية وجميع النوافذ محكمة الإغلاق، وكل شيء مربوط جيداً ولا شيء يمكن أن يطير … وحينذاك فهم المالك ما الذي كان يعنيه الرجل العامل لديه ثم عاد إلى فراشه لينام بينما الرياح تعصف .
هذا الرجل إستطاع أن يدير وقته بكفاءة ، لأنه توقع الأحداث واستعد لها ولم يصبر حتى يقع الحدث ، وبالتالي علينا الاستعداد لما يمكن أن يحدث في المستقبل من  اليوم لأن صناعة المستقبل تبدأ من هذه اللحظة وليس عندما تصل للمستقبل ، لأنك لا يمكن أن تصل إلى هناك إلا إذا أدرت وقتك من هنا.

أيضا من مشكلاتنا في التعامل مع الوقت هو التقليل من قيمة الشيء ، وأن الشيء سهل إنجازه ويمكن تأجيله لأي وقت ، هذا الاتجاه يسبب الكثير من المشكلات والضياع للوقت، وذلك لإعتقادنا أن كل شيء يسير بطريقة واحدة ولكن هذا غير صحيح فهناك الكثير من التغيير الذي يمكن أن يحدث ويغير الأمور بعيدا عن نصابها،  وهناك قصة السلحفاة والأرنب ، غالباً ما كنا نشاهدها في أفلام الكرتون وهي تحكي سباق بين السلحفاة والأرنب وعندما بدأ السباق جرى الأرنب وزحفت السلحفاة  وعندما وصل الأرنب إلى ما قبل خط النهاية قال أجلس هنا لأستريح حتى تأتي السلحفاة ثم أقوم وأسبقها وأفوز .. فنام الأرنب .. والسلحفاة لا زالت تزحف .. زحفت وزحفت .. حتى وصلت مكان الأرنب .. تركته وهو يغط في نوم عميق .. زحفت حتى وصلت خط النهاية .. قام الأرنب فزعاً جرى ليسبقها لكن .. بعد فوات الأوان . هذا حال من يهون من الأمور ويتساهل في الوقت وعدم  الاهتمام به. يظل نائما و يسبقه الآخرون وفي النهاية ينعي حظه قبل أن يصل إلى خط النهاية.

ولكن ما هو المحور الرئيسي لتحقيق النجاح في إدارة الوقت ، يمكن أن نتعرف عليه من هذه القصة التي نسمعها كثيرا ، ويحكيها البعض على سبيل المزاح ، وهي قصة اثنين من العمال أرسلتهما الشركة التي يعملون بها لإصلاح سطح إحدى البنايات، وعندما دخلا البناية وجدا أن المصعد معطل ، ونتيجة رغبتهما في العمل وحرصهما الشديد على تنفيذ المهمة في الوقت المحدد ، قررا صعود السلم للوصل إلى سطح البناية مع  العلم انها تتكون من ما يزيد عن 30 طابقا، صعدا وهما يحملان معدات الإصلاح ، وعند النهاية قال احدهما لصاحبة وهو يلهث لدي خبران لك أحدهما سار والآخر حزين ، قال صاحبه أخبرني بالسار حتى يهون علينا تعبنا، قال له لقد وصلنا إلى سطح البناية، قال الحمد لله ، إذاً ما هو الخبر السيئ ، قال له لقد دخلنا البناية الخطأ.

يتضح لنا هنا أنهما لم يحددا الهدف بدقة ، ترتب على ذلك ضياع الوقت دون مقابل، وبالتالي يجب علينا أن نعرف ماذا نريد وإلى أين نتجه حتى ننظم الوقت بطريقة صحيحة.

لكى تنظم وقتك فأنت في حاجة إلى:

ضع خطة أسبوعية لأعمالك ، تحديد قائمة بالأولويات ، لا تضع أكثر من قائمة (صغيرة) ، اكتب كل نشاطاتك في القائمة ، قسم وقتك على مهامك حسب الأولوية       ( قاعدة 80/20) ، ضع الأنشطة المتشابهة والمتوازية مع بعضها ، خصص لكل مهمة وقت محددا لإنجازها والانتهاء منها. صنف الوقت إلى أربعة أنواع:

  • وقت الإبداع Creative time  وهو الوقت الذي ينفق في التخطيط المستقبلي   للتوصل إلى أفكار جيدة لصناعة المستقبل.
  • وقت الإعداد Preparatory Time  وهو الوقت الذي ينفق للقيام بأنشطة معينة مثل جميع البيانات .
  • الوقت المنتج Productive Time وهو الوقت المستخدم فعليا في التنفيذ وتحقيق النتائج.
  • الوقت العمومي Overhead Time  وهو الوقت المستخدم في المهام والأعمال الروتينية.

 

يجب أن تعلم أن :

  • أن الإدارة الصحيحة لوقتك تضيف إلى حياتك ساعات أطول إذا أحسنت استغلال الأوقات الضائعة في حياتك.
  • أن إضافة 15 دقيقة كل يوم تعني إضافة 13 يوم عمل كل عام .
  • أن إضافة 30 دقيقة كل يوم تعني إضافة 26يوم عمل كل عام .
  • أن هذا يُعادل شهراَ جديداَ من العمل كل عام .

ويجب أن تتذكر دائما أن:

  • الواجبات دائماً أكثر من الأوقات.
  • أنت لا تملك أكثر من 24ساعة يومياً.
  • أن المهام المفتوحة لا تنتهي أبداً.
  • فتت المهام الصعبة والكبيرة.

مما سبق يتضح لنا أن الوقت جزء مهم من حياتنا ، ويحتاج أن نهتم به كثيرا لأن الوقت هو الحياه ، ولأن الوقت سيحاسب عليه الإنسان يوم  القيامة ، وهنا الحكمة القائلة الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك ، ويقول الشاعر: دقات قلب المرأ قائلة له إن الحياة دقائق وثوان . فالحياة كلها وقت ، ويجب أن يعلم الإنسان أن  كل ما يمر من الوقت لا يعود ، وأن الإنسان بطبيعته عندما يولد يبدأ عمره في التناقص ، ويقلل يوماً بعد يوم حتى يغادر الحياة ، وهنا تكون النتيجة ، وهنا يظهر الفرق بين إنسان وآخر ، فالشخص الذي استغل وقته وأداره  بطريقة جيدة سيترك شيئا يتذكره ا لناس ويضيف للآخرين ، أما من أهدر وقته فلن يترك شيئا ولا يتذكره أحد.

فعليا أن نتذكر دائماً أهمية الوقت ودوره في نجاح الإنسان ، فالأمم المتقدمة هي الأمم التي تهتم كثيرا بالوقت ، وتنظيمه وتحاول أن تستفيد منه بكافة الطرق ، الفرق بين الناجح والفاشل هو الوقت ، الفرق بين التميز وعدم التميز هو الوقت.  فنحن في حاجة للتعامل مع الوقت بطريقة أفضل.

 

وبعملية حسابية صغيرة إجلس مع نفسك ، حدد عدد الدقائق التي قضيتها في الأكل والشراب ، والجلوس أمام التليفزيون ، والطريق من وإلى العمل ، والساعات التي تقضيها في العمل ، والتي تقضيها مع الأسرة ، وساعات النوم ، وساعات الرياضة وغيرها من أجزاء اليوم وما تقوم به من أعمال ، وحدد أي من هذه الأوقات يستخدم في تحقيق الإنجاز ، وحدد كم نسبته المئوية ، هنا تتضح أمامك الصورة ، وتعرف هل أنت فعلا تدير وقت بكفاءة أم أنك في حاجة إلى إعادة النظر في توزيع وقتك على مدار اليوم.

وفي النهاية أقدم إعتذاري للوقت لأنني طيلة السطور السابقة أتحدث عن تنظيمه وإدارته ، أتحدث عن شيء هو منظم فعلا ، فأتمنى أن نكون مثله.

 

 ..

 

 

مجلة الجودة الشاملة العدد 18 إبريل 2010

Author: د. عبدالرحيم محمد عبدالرحيم

إستشاري التخطيط الإستراتيجي وقياس الأداء المؤسسي والتدريب

Share This Post On