رحلة مع تصريح عمل…وعبقرية البيروقراطية المصرية

رحلة مع تصريح عمل... وعبقرية البيروقراطية المصرية

”صورة من الواقع "

 

دكتور

عبدالرحيم محمد
استشاري التخطيط الإستراتيجي وقياس الأداء المؤسسي

drabdo68@yahoo.com

بعد عودته إلى بلده ، توجه لاستخراج تصريح العمل والذي يعتبر أحد المتطلبات الضرورية لخروجه من بلده عبر المطار أو أي منفذ حتى يعود بعد نهاية أجازته إلى البلد الذي يعمل به، ولسوء حظه اكتشف عندما وصل بلده أنه نسي التصريح القديم المنتهي في البلد الذي يعمل به. توجه إلي مكان استخراج التصاريح وقال في نفسه أكيد أن الأمر بسيط وان هناك حل لهذه المشكلة ، وطالما أن موضوع التصريح الهدف منه هو دفع مبالغ نقدية إذا ستكون الأمور على ما يرام، فالأمور المعقد في مثل هذه الحالات التي يكون فيها مطالبة الحكومة بمبالغ نقدية ، ولكن العكس صحيح هذه المرة.

دخل المكان مسرعا، سأل من على الباب أين مكان تصاريح العمل وجهوه إلى المكان في الدور الثاني، وكان الطريق واضح حيث اللافتات التي تشير إلى وجود المكان بالطابق الثاني، وللوهلة الأولي تبين له أن إدارة التصاريح متطورة وتطبق الإدارة المرئية التي تستخدم فيها اللوحات والإرشادات التي تسهل الأمور على الجمهور. وصل الدور الثاني وكانت المواجه الأولي مع شخص يجلس على طاولة أما إدارة التصاريح والمكتب عبارة عن صالة طويلة بها كراسي خشبية وبعض الطاولات المتحركة وإن كانت قديمة ومتهالكة بعض الشيء ، ويزين جدران الصالة عدد كبير من اللوحات المكتوب عليها شروط الحصول على الخدمات التي تقدم في هذه الإدارة ، فكان هذا تأكيد لمدى تقدم الإدارة وعبقريتها، وعند سؤال أحد المسئولين القابع خلف أحد المكاتب عن تجديد التصريح قال آخر شباك ، فتوجه صاحبنا إلي الشباك الأخير في أخر الممر وهو سعيدا جدا لأنه من بعيد لم يري طوابير على هذا الشباك مثل بقية الشبابيك ، فقال في نفسه الأمور سوف تسير بسلام وأعود إلى بيت قبل الزحام الذي نشهده في نهاية الدوام، وعندما وصل إلي الشباك حدث ما لم يكن يتوقعه لا يوجد أحد في الداخل، فكانت الصدمة الأولي ، نظر يمينا ويسارا لعله يجد من يرشده ويقول له ماذا يفعل، فجأة لمح من بعيد أحد العمال جاء مسرعا ،سأله أين المسئول هنا عن تجديد ترخيص العمل ، لأني أريد تجديد ترخيص العمل ولكن المشكلة أني نسيته في البلد الذي أعمل به ، رد عليه قائلا دي مشكلة ، ولكن كل مشكلة لها حل ، إنت تعمل بدل فاقد وتكمل باقي الإجراءات، وكيف أعمل بدل فاقد ، رد ، الأمر بسيط هات الجواز وانتظر ، فجأة ظهر أكثر من شخص لديهم نفس مشكلتي بعضهم ضاع منهم التصريح، والبعض الآخر نسي كحالتي، اخذ الجوازات وقال انتظروا ، انتظر الجميع كثيرا ، ومن وقت إلى آخر يتحدثون مع العامل عن مصير الجوازات وما حدث فيها ، وكل مرة تجد رد من العامل ، الرد الأول عندما سألؤه ماذا تم في الموضوع قال الموظف في مرحلة الإفطار ، والرد الثاني بعده بنصف ساعة سعادته يشرب الشاي، بعد ساعة جاءت البشرى ، خرج العامل ومعه الجوازات وزعها عليهم وقال ، اذهبوا للخزنة ادفعوا المبلغ الموجود في الورقة داخل الجواز، فعلا توجه الجميع وتم دفع المبلغ الزهيد الذي لا يستحق الوقوف في طابور الخزنة، عادة الجوازات مرة آخري للعامل أخذها لتدخل المرحلة الثانية ، في هذه المرحلة تم طلب مبلغ زهيد ولكن تم دفعه فورا وبدون إيصال استلام وكل واحد وذكاءه في فهم نظرات الموظف الذي جاء يوزع الجوازات مرة آخري ومعها الاستمارة المطلوب تعبئتها، أخذ الجميع الجوازات وتم تعبئة الاستمارات وتم تسليمها مرة آخري للموظف، بعد ذلك انتظر الجميع لمدة ساعة آخرى لأن الموظف صاحب المرحلة الثالثة لم يأت بعد ، وعندما جاء بدأ عملية الإفطار ثم شرب الشاي، وأخير أعلن عن بدء يوم العمل بعد مرور أربع ساعات من وقت الدوام ، هذه المرحلة هي مرحلة تقدير الرسوم ، وهذه هي المرحلة الصعبة ، حيث طابور طويل يضم أكثر من مائه شخص أتوا ليجددوا تصاريح العمل ويدفعوا مبالغ مالية ومع ذلك لا يمكن أن يتم ذلك إلا عبر الطوابير، عند الوصول إلي الموظف المختص يتسلم الورق ويكتب عليه المبلغ المطلوب سواء كان سنة أو سنتين ، ثم يأخذ الشخص الاستمارة المكتوب عليها المبلغ ويتوجه إلي المرحلة الرابعة وهي طابور الخزنة ليدفع المبالغ المستحقة – الغريب في الأمر وكما ذكرت في البداية أن هناك لوحات إرشادية تحدد المبالغ المستحقة عن كل سنة من السنوات وبشكل بسيط جدا في المرحلة الأولى التي ذكرتها يحدد الموظف المسئول عدد السنوات المطلوب أن يدفع الشخص عنها مبالغ مالية وهي واضحة لموظف الخزنة بل ويحفظها عن ظهر قلب – بعد انتهاء طابور الخزنة ، تأتي المرحلة الخامسة والأخيرة لهذا اليوم الشاق هذه المرحلة يتم تسليم الأوراق لموظف آخر يتسلم الأوراق ويقول لك إنشاء الله تستلم التصريح بكرة بعد الظهر. انتهى هذا اليوم الممل عاد الناس أدراجهم بعد خمس ساعات قضوها لتقديم متطلبات تجديد تصريح السفر .

اليوم الثاني أسهل بكثير من اليوم الأول هناك زحام على استلام التصاريح ، نظرا صاحبا يمينا ويسارا لعله يجد طريقا يبعده عن الزحام ودرجة الحرارة في هذا المكان ، فجأة وقعت عيناه على العامل الذي رآه بالأمس ، وبحركة ذكيه عبقرية ونظرة مبتكرة ، وخلال ثواني قليلة كان تصريح العمل في يده ، لأن العامل العبقري فهم أن هناك مصلحة متبادلة وبدون أن يذكر للعامل اسمه جاء بالتصريح إليه ، أتدرون كيف ؟ الأمر بسيط لأنه هناك صورة شخصية على تصريح العمل، والعامل استفاد أيضا لأن كل شيء بمقابل.

هذه القصة بسيطة في كلماتها ومواقفها لكنها عميقة في معانيها وأبعادها. طالما الهدف من تصريح السفر هو دفع مبلغ من المال، لماذا هذه التعقيدات، ألا يكفي أن يتوجه الشخص إلى نفس المكان أو أي مكان ويدفع المبلغ مقابل إيصال يكون بدلا عن تصريح العمل. هذه القصة عرضنا فيها قصة صاحبنا ورحلته مع تجديد تصريح العمل، والتي اتضح منها غياب أبسط مبادئ الإدارة

Author: د. عبدالرحيم محمد عبدالرحيم

إستشاري التخطيط الإستراتيجي وقياس الأداء المؤسسي والتدريب - أستاذ الإدارة العامة المشارك - كلية المجتمع

Share This Post On