مواقف إدارية … ورؤية فلسفية … الجزء الثاني

 

مواقف إدارية ... ورؤية فلسفية ... الجزء الثاني      

دكتور
عبدالرحيم محمد
استشاري التخطيط الإستراتيجي وقياس الأداء المؤسسي

drabdo68@yahoo.com

 

إذا غاب هدفك ضللت الطريق:

كان يعمل حارس لمنارة بحرية ، وكان يتم تزويده شهريا بكمية مناسبة من الزيت لإشعال المصابيح لإرشاد السفن، وكانت المنارة قريبة من إحدى القرى، في أحد الأيام ذهب إليه شخص في حاجة إلى كمية من الزيت ،فأعطاه، وفي اليوم الثاني ذهب شخص آخر وله نفس الطلب، وفي اليوم الثالث تكرر نفس الموقف مع آخرين، ، وهكذا تردد عليه الكثيرون يطلبون منه إعطائه كمية من الزيت لحاجتهم لها، وكان لا يريد أن يرد أحدا بطلب ، وقبل نهاية الشهر اكتشف أن الزيت قد نفد ولم يستطع إشعال المصابيح لتوجيه السفن، ترتب على ذلك غرق الكثير منها ، ورغم اعتذار الشخص عند التحقيق معه، إلا أن هيئة التحقيق قالت له أعطيناك الزيت لهدف المحافظة على ضوء المنارة ساطعا ً.
وهذه مشكلة تعاني كثير من المنظمات منها، نتيجة عدم وضوح الهدف أو المجاملة في الاختيار والتعيين وعدم الاستخدام الأمثل للموارد المتاحة، وعدم التوظيف السليم للطاقات البشرية التي يمتلكها الأفراد بالمؤسسة. فالتوظيف على سبيل المثال يجب أن يكون لحاجة فعليه وليس توظيف من أجل التوظيف فقط أو سد الفراغ أو المجاملة ، ولكن عندما نوظف يجب أن يكون لحاجة حقيقية، أيضا وقت الدوام من الأمور التي تحتاج إلى وضوح الهدف ، فعدم الاهتمام بوقت العمل وضياع الوقت في أشياء بعيدة عن العمل بالتأكيد ستكون لها انعكاسات سلبية ، فغياب الهدف أو المجاملة على حساب الأهداف الأخرى غير مقبول، ويؤدى إلى كارثة. فلو أنك خرجت من المنزل ولم تحدد أى وجهة سوف تتبعها ستكون النتيجة انك لن تصل إلى شيء لأنك لا تعرف إلى أين تتجه، فوضوح الهدف من السهل تحقيقه.

سباق القوارب

أقيمت إحدى السباقات للتجديف بين فريقين أحدهما عرب والآخر ياباني ، ومع انطلاق إشارة البداية انطلق الفريقان ، وكانت النتيجة فوز الفرق الياباني متقدما بكثير عن الفريق العربي، هنا قام الفريق العربي بتشكيل لجنة وهيئة استشارية لدراسة التردي الذي حدث للفريق وتحديد الأسباب الحقيقة وراء هذا التراجع ، ووضع الخطة الجديدة لتحقيق الفوز على الفريق الياباني في اللقاء التالي. وبالفعل علمت الهيئة الاستشارية على تحقيق أهداف الدراسة وكان تقريرها أن، الفريق الياباني يتكون من 9 أشخاص توزيعهم كالتالي 8 مجدفين وقائد واحد ، أما الفريق العربي يتكون من 9 أشخاص عبارة عن 1 مجدف و 9 مديرين .
من هنا أدرك الفريق العربي أن المشكلة الرئيسية في تشكيل الفريق، وقرر إعادة التشكيل الجديد كما يلي: (1) مجدف ، (3) مشرفين، (3) مراقبين، (2) قادة.
وبدا اللقاء السنوي الجديد وكانت النتيجة لا تختلف عن العام الماضي بل ازدادت سواء فقد تقدم الفريق الياباني بفارق كبير عن العام الماضي . وقام اللجنة المشكلة والهيئة الاستشارية بدراسة أسباب المشكلة التي تبين أيضا أن الفريق الياباني يعمل بنفس التشكيل قائد واحد و(9) مجدفين، وعليه تم إعادة تشكيل الفريق العربي (1) مجدف، (2) مشرفين، (2) مراقبين ، (4) قادة، وفي المسابقة التالية تقدم أيضا الفريق الياباني. وتشكلت اللجنة مجددا ودرست الوضع دراسة متعمقة وخرجت بتوصياتها وهى عزل الشخص القائم بالتجديف لأنه السبب الرئيسي في الهزيمة نتيجة تدني مستوى أدائه، ومكأفاة الباقين لجهودهم المتميزة.
هذا هو واقع الكثير من المؤسسات العربية لا تستطيع أن تعمل بروح الفريق ، ويغيب عنها كيفية بناء فرق العمل، فهذه الحالة كيف أن الفريق الياباني ركز من البداية على التشكيل الصحيح وبالتالي تفوق في كل السباقات، بينما الفريق العربي ركز على المناصب ولم يستطيع أن يبني فريق العمل الذي يحقق الأهداف، وتشير الكثير من الكتاب أن الفرد العربي عندما يعمل بمفردة يحقق إنجازات عالية جدا ، ولكن يفشل عندما يعمل في إطار فريق، ويرجع ذلك إلى غياب ثقافة العمل الجماعي في الكثير من مؤسساتنا العربية

.

التأكد من وجود المشكلة خطوة أساسية لحلها

تعود أن يستقل الحافلة كل صباح وهو رجل ضخم البنية يشبه أبطال كمال الأجسام، يسأله السائق أن يدفع التذكرة ، يرد عليه أن لا أدفع تذاكر ، واستمر الحال هكذا عدة شهور ، ويتكرر نفس المشهد يوميا ، حتى أن السائق أصبح محرجا جدا من هذا الشخص أمام ركاب الحافلة نتيجة هذا المشهد المتكرر وعدم قدرة السائق على جعل هذا الرجل يدفع قيمة تذكرة الركوب للحافلة، هنا قرر السائق في اليوم التالي أن يأخذ أجازة بدون راتب ، والتحق بإحدى صالات تدريب ألعاب القوى ، وتدرب على الفنون القتالية لمدة عام ، ثم عاد واستلم عمله بالشركة، وفي الصباح كعادته يقود الحافلة، وإذا بالشخص نفسه الذي يشبه أبطال كمال الأجسام يصعد إلى الحافلة ، وهنا وبكل قوة يقول له السائق تذاكر يرد الشخص أنا لا أدفع تذاكر هنا يغلي السائق من داخلة ويستجمع كل قواه ويتذكر التدريبات التي حصل عليها لتحقيق هدفه في هذه اللحظة وهو ضرب هذا العملاق إذا لم يدفع ثمن التذكرة، ركن الحافلة على جانب الطريق ، وقام بخنق الرجل وقال له لماذا لا تدفع ثمن التذكرة، رد عليه لأني معي اشتراك.
من هذه القصة يمكن القول أن فن الإدارة هو التأكد من وجود مشكلة قبل بذل أي مجهود لحلها. فكثيرا ما بنذل الجهود الكثيرة في جمع المعلومات حلول مشكلة معينة وفي النهاية يتضح لنا أنها ليست المشكلة الحقيقة، ويرجع ذلك إلى أننا نخلط كثيرا بين المظاهر والأسباب ، والواقع أن هناك فرقا كبيرا بينهما، على سبيل المثال ارتفاع درجة حرارة الجسم ليس سبب أساسي للمشكلة ، ولكنه ظاهرة لمشكلة معينة بالجسم، وبالتالي لابد من البحث عن الأسباب الحقيقة التي أدت إلى رفع درجة حرارة الجسم فقد تكون نزلة برد أو احتقان في الزور أو غيرها. فالتحديد الدقيق للأسباب أساسي في الوصول إلى حلول فعالة للمشكلة،ويجب أن نعلم أن تحديد المشكلة يساوي نصف الحل.

عندما ينسى الموظف وظيفته

إعلان عن وظيفية في شركة مرموقة وهو شخص متميز ، قدم على الوظيفية قبلته الشركة على الفور نظرا لتميزه وخبراته، ولكن الدافع له لكي يلتحق بالوظيفة هو الراتب العالي والميزات والحوافز والمكافآت، دخل الشركة عمل بجد واجتهاد ولكن مجهوده بدأ ينخفض تدريجيا ، طبيعة العمل ليست مناسبة له ، مناخ العمل غير متوقع، بدأ لا يهتم كثيرا بالقواعد واللوائح والقوانين، نتيجة تكليفه بالكثير من الأعمال التي لا تدخل في مجال إختصاصة، بدأ ينفذها ولكن ليست بجودة ، بدأت الإدارة توقع علية الجزاءات الإنذارات، وفي النهاية أصدرت القرار بفصله نهائيا من العمل، وجد نفسه خارج الشركة.
علينا عند اختيار العمل أن نتأكد تماما أنه في إطار ما نقوم به وما نستطيع أن نقوم به، وأن دورنا في العمل محدد وواضح ، لا تقبل عمل مجاملة لأحد لأنك سوف تضر نفسك وتضر الآخرين، نظرا لأنك تقبل عمل لا تجيد القيام به وبالتالي النتيجة ستكون سلبية، إذا قبلت عمل من أجل أن الراتب المرتفع ولكن العمل لا يتفق ورغباتك ومهاراتك، هنا تكون تذكرت كل شيء ونسيت وظيفتك.

القيادة وهدد نبي الله سليمان

قال الله تعالى: ﴿ وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (20)لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَأباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (21)فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ (22)
بداية الآية تشير إلى دور مهم للقائد وهو تفقده للعاملين معه ، فسيدنا سليمان وكما يتضح من الآية أنه أحس بعدم وجود الهدد ، وهذا إشارة إلى قدرة ا لقائد على الإلمام بموظفيه وخاصة المؤثرين منهم في العمل ، وفي الآية التالية اتخذ القرار وهو عذاب الهدد "أو ذبحنه" او أن يكون هناك مبررا لذلك، وهذا إشارة مهمة يجب أن تتوافر في القائد أن لا يتخذ أى إجراء أو قرار ضد أى من الموظفين إلا إذا توافرت البيانات حول الموضوع، فسيدنا سليمان حدد أنه سوف يأخذ قرار العقاب في حالة عدم قدرة الهدد تحديد السبب الرئيسي في غيابة.
الآية الثانية وهى فمكث غير بعيد إشارة إلى ثقة الهدد في نفسه وعدم خوفه من سيدنا سليمان وبدأ حديثه دون خوف وقال أحط بما لم تحط به وجئتك من سبا بنبأ يقين. وهذا إشارة إلى ديمقراطية القائد و إعطاء الآخرين الفرصة ليعبروا عن ما لديهم من آراء ويوضحوا مواقفهم، فهو ليس قائد دكتاتوري يفرض رأيه على الناس، ولكن يسمع الآخرين، دون أن يخافون منه. ولو تتبعنا ما جاء به الهدد من أخبار لسيدنا سليمان نجد أن القصة تنتهي بإسلام ملكة سبأ ، من الناحية الإدارية يمكن أن نستفيد من القصة أولا من تصرف سيدنا سليمان: أن يكون القائد ملما بتفاصيل عمله وموظفيه ودورهم و أهمية كل فرد وأهمية دوره في المؤسسة. أن يكون هناك هدف واضح ومحدد حتي يمكن إنجاز الأعمال والوصول إلى الوجهة السليمة التي تريدها المؤسسة. المتابعة المستمر للعمل والعاملين. عدم إصدار أى قرار إلا بناء على معلومات متوفرة وحقيقة. إعطاء الأفراد الفرصة لتوضيح مواقفهم قبل اتخاذ أى قرار ضدهم.
وبالنسبة للهدد: البحث عن الدور والمبادرة فلم ينتظر الهدد تكليف سيدنا سليمان للقيام بعمل معين ولكنه سعى للقيام بدورة والوصول إلى معلومات جديدة.
والقائد يلعب دورا مهما في نجاح المؤسسة لأنه هو الملهم الحقيقي للعاملين بالمؤسسة، ويجب عليه أن يؤمن بهذا الدور.

أين عازف الناي؟

أثناء قيام قائد الأوركسترا بقيادة الفرقة الموسيقية الكبيرة والتي تضم آلات ضخمة وترية ونحاسية ، فهو واقف يعطى ظهره للجمهور يشير بيديه إلى الفرقة الموسيقية أثناء العزف ، توقف القائد فجأة وصرخ قائلا: أين عازف الناي. اكتشف قائد الأوركسترا أن هناك شخص غير موجود في الفرقة ، قد يتبادر للذهن أن عازف الناي هو شخص دوره محدود بين أعضاء الفرقة الكبيرة ، وان صوت الناي وسط هذه الآلات التي تصدر أصواتا قوية قد لا يسمع وبالتالي غيابه لا يؤثر على أداء هذه الفرقة، ولكن العكس صحيح تماما، يتضح من هذه القصة أننا لا نقلل من دور أي شخص أو أهميته في العمل أو في الحياة ، فكل له دورة وأهميته ، وكل شخص محتاج إلى الآخرين ، تخيل لو أن جامع القمامة الذي يمر لرفع المخلفات ، غاب عن المكان لفترة طويلة ولم يحضر وتراكمت المخلفات ، هنا تجد أن الجميع يعمل جاهدا للوصول إلى هذا الشخص ويشعر بأهميته ودوره في ما يقوم به، فغالبا ومع التعود ننسي الكثيرون الذين لديهم أدورا مؤثرة في الحياة لأن دورهم قد يبدوا لنا صغيرا ولكن في واقع الأمر دورهم كبير، مثل عازف الناي.

Author: د. عبدالرحيم محمد عبدالرحيم

إستشاري التخطيط الإستراتيجي وقياس الأداء المؤسسي والتدريب

Share This Post On